محمد حميدة يكتب: مداد النيل على رمال العيون… رحلة في ذاكرة المكان والإنسان  

 

لا يمر الزائر بالمغرب كما تمر الريح دون أثر، فمن طنجة التي تعانق البحرين شمالاً إلى الكويرة التي تلامس الأفق الصحراوي جنوباً، ومن وجدة المتشبعة بعبق الشرق إلى سواحل الأطلسي الممتدة، يترك هذا البلد بصمته العميقة في الذاكرة، حتى وإن كانت الزيارة عابرة أو قصيرة.

وفي كل مرة أعود فيها إلى المغرب، أجد نفسي أغادره محمّلاً بالصور والحكايات. لا أحمل أخباراً فحسب، بل أحمل سيرة شعب وذاكرة مدن وتجارب إنسانية تستحق أن تُروى. فهنا تتجاور عراقة التاريخ مع دينامية الحاضر، وتلتقي ذاكرة القرون الماضية بمشاريع تنموية تسابق الزمن نحو المستقبل.

من طنجة، البوابة الشمالية للمملكة، إلى الكويرة في أقصى الجنوب، يبدو المغرب كلوحة متكاملة الألوان، لا تكتمل تفاصيلها إلا بأهلها. فالتناغم بين المكان والإنسان ليس مجرد مشهد جمالي، بل هو سر من أسرار الاستقرار الذي تنعم به البلاد، وأحد أعمدة نهضتها المتواصلة.

قبل سنوات، قادتني مهمة مهنية إلى مدينة العيون. وكغيري ممن تابعوا المنطقة من بعيد، كنت أحمل بعض الصور النمطية التي رسمتها منصات إعلامية بعيدة عن الواقع. لكن منذ اللحظة الأولى تبددت تلك التصورات. وجدت مدينة تنبض بالحياة، وتتسع شوارعها لمشاريع المستقبل، وتتحرك بخطى واثقة نحو التنمية.

بعد انتهاء الفعالية التي حضرتها، اخترت أن أكتشف المدينة بعيداً عن البروتوكول. تجولت في شوارعها وأحيائها، وجلست في مقاهيها، وتحدثت مع سكانها. كان أول ما شد انتباهي تلك الألفة الفطرية التي تجمع الناس بالزائر. لم يكن أحد يسأل عن الهوية أو الجنسية، بل كانت الابتسامة تسبق السؤال: “أنت مصري؟”.

وحين كنت أجيب: “نعم، أنا مصري ولكن نهضر الدارجة المغربية شوية”، كانت المسافات بين القاهرة والعيون تختفي فجأة، وتذوب الحدود في كأس شاي مغربي دافئ.

مغاربة الجنوب، كما مغاربة الشمال والشرق والغرب، ينسجون بخيوط التنوع نسيجاً وطنياً واحداً. ولهذا يصعب على أي زائر أن يغادر المغرب كما دخله؛ فالأماكن هنا تسكنك أكثر مما تسكنها.

هناك أيضاً ذلك الخيط الروحي الهادئ الذي يربط الناس ببعضهم البعض. روح قائمة على الاحترام وحسن المعاملة وإكرام الضيف. ليست صوفية الانعزال، بل صوفية السلوك اليومي الجميل. تلمسها في حديث أستاذ جامعي كما تلمسها في كلام بائع بسيط على رصيف سوق شعبي.

أتذكر سيدة في مدينة العيون أصرت على أن تهديني قارورة صغيرة من زيت الأركان بعدما اشتريت بعض الحاجيات من محلها. ربما لم تكن تدرك أن تلك الهدية البسيطة ستبقى في الذاكرة لسنوات، باعتبارها جزءاً من لوحة كبيرة اسمها الكرم المغربي.

وعندما ضرب زلزال الحوز مناطق واسعة من جبال الأطلس سنة 2023، كنت هناك بين القرى الجبلية المتضررة. وبين الطرق الوعرة والصخور المتساقطة، أوقفنا رجل بسيط لا ليطلب المساعدة، بل ليقدم لنا الماء والتمر وبعض الفاكهة المجففة. ثم جلس يحدثني بشغف عن مصر وشوارعها وحاراتها القديمة، وكأنه زارها في حلم قديم لم يغادر ذاكرته.

ذلك المشهد أعاد إلى ذهني صورة أخرى من فاس، المدينة التي لا تزال تحرس تاريخها خلف أبوابها العتيقة. هناك، لا يكتفي الباعة بعرض بضائعهم، بل يدعونك إلى الجلوس واحتساء الشاي والاستماع إلى حكاياتهم. في فاس، يصبح الوقت أكثر بطئاً، وكأن المدينة ترفض أن تستعجل الحياة.

أما طنجة، فلها مكانة خاصة في القلب. في كل زيارة أشعر أن رائحة بحرها تستحضر ذكريات الإسكندرية. مقاهيها التاريخية، وأزقتها المطلة على البحر، وأجواؤها الثقافية، كلها تجعل منها مدينة لا تغادر الذاكرة مهما ابتعدت عنها.

ومن أجمل المواقف التي لا أنساها، ما حدث في متحف ابن بطوطة بطنجة. وصلت إلى المتحف خارج أوقات العمل، وكانت الأبواب موصدة. وحين أخبرت المسؤول أنني جئت من مصر وأن زيارة ابن بطوطة حلم لا أريد أن أؤجله، بادر إلى فتح الأبواب خصيصاً لنا دون مقابل. يومها أدركت أن بعض الأبواب في المغرب تُفتح بالمحبة قبل المفاتيح.

وفي الدار البيضاء، تلك المدينة التي لا تنام، أجد شيئاً من روح القاهرة. حركة دائمة، وضجيج حياة لا يتوقف، وطاقة إنسانية تجعل المدينة نابضة على مدار الساعة. وعلى النقيض منها، تمنح الرباط زائرها جرعة من الهدوء والرقي والأناقة التي تميز العاصمة المغربية.

في العيون والداخلة، وفي طنجة وفاس، وفي شفشاون وأغادير وتطوان والرباط والدار البيضاء، يكتشف الزائر أن المغرب ليس مجرد جغرافيا أو مدن متجاورة، بل تجربة إنسانية متكاملة. تجربة تُروى عبر الناس قبل الأماكن، وعبر التفاصيل الصغيرة قبل المعالم الكبرى.

وكلما غادرت المغرب، أيقنت أن الرحلة لم تنته بعد، وأن هناك دائماً حكاية جديدة تنتظر أن تُكتب. حكاية سطورها المحبة، وعنوانها الأخوة الصادقة بين مصر والمغرب، وعطرها ذلك الكرم الذي يجعل الزائر يشعر بأنه بين أهله أينما حل وارتحل.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...