يعكس التزايد المتواصل لإقبال الشركات العالمية المتخصصة في صناعة الطيران على المغرب تحولاً نوعياً في موقع المملكة داخل سلاسل الإنتاج الدولية، إذ لم يعد الأمر يقتصر على استثمارات متفرقة، بل أصبح مؤشراً على تشكل منظومة صناعية متكاملة جعلت من المغرب وجهة تنافسية في هذا المجال.
وخلال السنوات الأخيرة، تمكن المغرب من استقطاب أزيد من 140 شركة تنشط في قطاع الطيران، وفرت ما يقارب 20 ألف منصب شغل، فيما تجاوزت قيمة الصادرات السنوية ملياري دولار، وهو ما يبرز النمو المتسارع الذي يعرفه هذا القطاع الحيوي. كما تعززت هذه الدينامية من خلال توسع استثمارات شركات كبرى مثل “سافران” و”بومباردييه” وغيرها، عبر إنشاء وحدات جديدة أو توسيع نشاطها القائم.
ويستفيد المغرب من موقع جغرافي متميز، يجعله قريباً من الأسواق الأوروبية، ما يسمح بتقليص تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، ويمنح الشركات أفضلية في الاندماج داخل شبكات التوريد الدولية، خاصة نحو أوروبا وأمريكا الشمالية.
كما يوفر مناخاً استثمارياً محفزاً يرتكز على حوافز صناعية مهمة، إلى جانب بنية تحتية متطورة تشمل مناطق صناعية متخصصة، من بينها منصة “ميدبارك” بالنواصر، فضلاً عن الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي يشكل عاملاً أساسياً في تعزيز ثقة المستثمرين.
ويُعد توفر الموارد البشرية المؤهلة من أبرز نقاط قوة المملكة، بعدما استثمرت الدولة بشكل كبير في التكوين المهني والتقني المرتبط بصناعة الطيران، ما أتاح توفير كفاءات تستجيب للمعايير الدولية المطلوبة.
ويرتكز هذا التطور على رؤية صناعية واضحة تسعى إلى تكرار النجاح الذي حققه قطاع السيارات، من خلال بناء منظومة متكاملة تشمل التصنيع والتجميع والصيانة والخدمات المرتبطة بصناعة الطيران.
وقد ساهم هذا التوجه في انتقال المغرب من مجرد منصة إنتاج منخفضة التكلفة إلى مركز صناعي ذي قيمة مضافة مرتفعة، حيث يتم تصنيع أجزاء متطورة من الطائرات وتصديرها إلى كبريات الشركات العالمية. كما أن تسجيل ارتفاعات مهمة في الصادرات خلال بعض الفترات يعكس تزايد الطلب الدولي على المنتجات المغربية.
ومستقبلاً، يُرتقب أن يواصل هذا القطاع توسعه نحو مجالات أكثر تقدماً، من قبيل صناعة المحركات والهندسة الدقيقة وربما التجميع النهائي للطائرات، وهو ما قد يعزز مكانة المغرب كأحد أبرز أقطاب صناعة الطيران في إفريقيا وعلى المستوى العالمي.
وبذلك، فإن توافد الشركات العالمية ليس ظرفاً عابراً، بل نتيجة مباشرة لتكامل عدة عوامل، تشمل الموقع الاستراتيجي، والتكلفة التنافسية، والكفاءات البشرية، والرؤية الصناعية، ما يضع المغرب في مسار التحول من قاعدة إنتاج إلى منصة دولية لصناعة الطيران.

