المغرب.. حين تتحول الكارثـ.ـة إلى امتحان وتنتصر الدولة دون ضجيج

الكاتب: رضوان الله العطلاتي

 

لم تكن الفيضانات التي شهدتها عدة مناطق من المملكة، وفي مقدمتها إقليم القنيطرة، مجرد حدث مناخي عابر، بل كانت امتحاناً حقيقياً لدولة بكامل مؤسساتها. وبينما اختارت بعض المنابر الخارجية صناعة روايات مرتبكة عن “غضب” و“شغب” و“ضحايا” و“فوضى”، كان المغرب في الميدان يقدّم الصورة الحقيقية: نظام تعبئة فعّال، منضبط، وهادىء… ينتصر دون ضجيج.

بدأت الاستجابة الوطنية تحت التعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله التي وضعت حماية الأرواح في صلب الأولويات، وأمرت بتعبئة كاملة لمختلف الموارد البشرية واللوجستية، مع تدخل استباقي في المناطق المهددة بارتفاع منسوب المياه. هذا التوجيه الملكي كان لحظة حاسمة جعلت كل مؤسسات الدولة تتحرك بيد واحدة وغاية واحدة: لا حياة تُهمل، ولا مواطن يُترك وحده أمام الأزمة.

واعتمد المغرب مقاربة الإجلاء الوقائي المنظم على نطاق واسع، حيث باشر مختلف المتدخلين، من سلطات جهوية وإقليمية ومحلية، والقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والوقاية المدنية، والقوات المساعدة، عمليات نقل آلاف الأسر نحو مراكز إيواء مجهّزة بشكل كامل، في استقبال يضمن الكرامة والتنظيم ويحمي سلامة الجميع. وتم الانتقال من مرحلة الإجلاء إلى مرحلة الإيواء بسلاسة لافتة، بفضل التحضير المسبق والبنية التنظيمية المحكمة، ما جعل هذه العملية نموذجاً استثنائياً في التدبير الميداني.

ولم يكن التأمين الغذائي أقل قوة من باقي الجهود، إذ وفرت الدولة الغذاء والماء والدفء بشكل مجاني ومتواصل، وتم تشغيل فرق التموين ليل نهار لتوفير وجبات كافية، مياه الشرب، الأغطية، ومواد النظافة. ولم يُترك أي شخص في انتظار حاجته، لأن التعليمات كانت واضحة: الكرامة فوق كل شيء.

ومن أهم مظاهر التدبير المغربي الفريد هو أن الطوارئ لم توقف الدراسة، فقد تم تجهيز مراكز الإيواء بفضاءات تعليمية؛ حيث تم إنشاء مدارس داخل المخيمات مع حضور أساتذة مؤطرين ودروس دعم وأدوات مدرسية، مما مكّن الأطفال من مواصلة تعلمهم دون انقطاع، في تجربة نادرة على المستويين العربي والإفريقي.

وبالتوازي مع ذلك، تكفلت الدولة بالكامل بالجانب الصحي عبر وحدات طبية مجهزة داخل مراكز الإيواء، تضم أطباء وممرضين وتوفر العلاج والدواء مجاناً، إضافة إلى سيارات إسعاف وخدمات للدعم النفسي، خصوصاً لفائدة النساء والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة، لتجاوز آثار الأزمة بسلام.

ومن الخطوات التي أثارت إعجاب المتابعين الدوليين إدخال الأبناك المتنقلة إلى مراكز الإيواء لتمكين المواطنين من سحب رواتبهم وتسيير معاملاتهم المالية دون الحاجة للخروج أو التنقل، وهو إجراء حضاري لم تلجأ إليه حتى بعض الدول المتقدمة خلال حالات الطوارئ المماثلة.

وحرص المغرب أيضاً على حماية الثروة الحيوانية للساكنة القروية، إذ وفرت الدولة أعلافاً مجانية وحظائر مؤقتة وأطباء بيطريين ولقاحات ومراقبة مستمرة، مما جعل أصحاب الماشية يشعرون بالأمان لأن ممتلكاتهم محمية تماماً، في إطار شامل لا يفصل بين حاجيات الإنسان وحاجيات الأرض التي يعيش عليها.

وراء كل هذه المجهودات كانت هناك تعبئة دولة تشتغل 24 ساعة/24 ساعة؛ فالسلطات المحلية، الباشوات، القياد، أعوان السلطة، القوات العمومية، الجيش، الدرك، الوقاية المدنية، شركة SRM-RSK والتقنيون… جميعهم عملوا بنظام السهر الدائم، دون توقف، دون انقطاع، ودون ترك فراغ واحد في سلسلة التدخلات. كانت تلك أقوى عملية تشغيل جماعي لمؤسسات الدولة منذ سنوات، وكلها اشتغلت بإيقاع واحد وبروح وطنية واحدة.

أما الإنجاز الأكبر فهو أن المغرب واجه هذه الكارثة دون أن يطلب دعماً من أي دولة أجنبية أو منظمة دولية، ودون تدخل فرق إنقاذ خارجية، بل اعتمد حصرياً على قدراته الذاتية ومؤسساته الوطنية. وهو ما أثار استغراب عدد من المتابعين الدوليين الذين رأوا أن المملكة نجحت فيما تعجز دول كبرى عن فعله في أوقات مماثلة.

وفي النهاية، لم تصمد حملات التشويه أمام سيل الحقائق من الميدان؛ فلا “ضحايا” بالشكل الذي روّجته المواقع المضللة، ولا “شغب”، ولا “احتجاجات”، ولا “فوضى”. كانت أكاذيب انهارت أمام مشاهد دولة تشتغل، ومؤسسات تتحرك، وشعب يقف خلف قيادته بثقة ووعي.

إن المغرب، تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، لم يواجه الفيضانات فقط… بل واجه حملة تضليل موازية، وانتصر في الامتحانين معاً. لقد أثبت أن الدولة حين تُختبر تُظهر حقيقتها، وحقيقة المغرب واضحة: دولة تقف… وتنتصر دون ضجيج.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...