لم تعرف كرة القدم الإفريقية في تاريخها الحديث مشهدًا أكثر صدمة ولا واقعة أشد خطورة من انسحاب المنتخب السنغالي من نهائي كأس إفريقيا للأمم أمام المنتخب المغربي. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه ملايين المشاهدين تتويج عرس كروي يليق بالمغرب وبتنظيمه الاستثنائي، اختار المنتخب السنغالي أن يغادر أرضية الملعب قبل نهاية الوقت القانوني، في خطوة لا تحتمل أي تأويل سوى أنها انسحاب كامل الأركان، بطعم الفضيحة، وبوزن يجعل كل النقاش اليوم يدور حول نقطة واحدة: سحب اللقب ضرورة قانونية قبل أن تكون قرارًا تأديبيًا.
إن ما حدث لم يكن احتجاجًا ولا اعتراضًا مشروعًا ولا “انفعال لحظة”، بل كان طعنًا مباشرًا في مصداقية المنافسة وقوانين اللعبة. فالنصوص القانونية التي تنظّم المسابقات القارية واضحة وضوح البلور، بدءًا من الفصل 35 الخاص بالانسحابات، مرورًا بالمادتين 82 و84 اللتين تُجرّمان صراحة خروج أي فريق من الملعب قبل نهاية المباراة دون إذن من الحكم، وتعتبرانه منهزمًا بنتيجة (3-0) مع إمكانية فرض عقوبات إضافية قد تصل إلى الإقصاء وحرمانه من النسخ المقبلة. هذه النصوص ليست للزينة، ولا تُطبق حسب المزاج، بل هي روح المنافسة التي تحفظ عدالتها وهيبتها.
الأدهى أن الانسحاب السنغالي جاء احتجاجًا على ضربة جزاء أثبتت الإعادة بوضوح، وبشهادة كل خبراء التحكليم حول العالم، أنها صحيحة 100%، وأن الحكم لجأ إلى تقنية الـVAR وفق البروتوكول الدولي دون زيادة ولا نقصان. وبالتالي، فمحاولة تحويل “قرار تحكيمي سليم” إلى سبب لنسف مباراة نهائية بكاملها، ليست سوى محاولة مكشوفة للهروب من نتيجة كانت تتجه لصالح المنتخب المغربي، ومحاولة يائسة لقلب الطاولة خارج قواعد اللعب.
وليس سرًا أن أصابع الاتهام تتجه اليوم إلى الطاقم التقني للمنتخب السنغالي، وعلى رأسه المدرب، الذي تشير المعطيات إلى دوره في التحريض على الانسحاب. فنحن أمام سلوك يُعاقب عليه القانون الرياضي بصرامة، لأنه يتعارض مع أخلاقيات التدريب ويتجاوز حدود الانفعال إلى مستوى “توجيه لاعبين لخرق القواعد عمداً”.
كانت الفضيحة التي افتعلها لاعبو المنتخب السنغالي وطاقمهم التقني، وعلى رأسهم المدرب، محاولة مكشوفة للتشويش على صورة المغرب والضغط على سير المباراة، بعدما لم يتقبلوا ضربة جزاء واضحة ، غير أن هذا السلوك المتهور، الذي افتقد لأبجديات الروح الرياضية، ارتدّ عليهم بالكامل؛ فبدل أن يربكوا المغرب، وجدوا أنفسهم في ورطة أخلاقية وقانونية صنعوها بأيديهم، بينما ظلّ المغرب ثابتًا ومحترمًا للقوانين.
وإزاء هذه الواقعة، يصبح التردد خطيئة، والصمت عجزًا، والمجاملة ضربًا لمبدأ العدالة الرياضية. الاتحاد الإفريقي لكرة القدم يجد نفسه اليوم أمام اختبار وجودي: إما أن يطبّق القانون بوضوح وقوة ويُسقط اللقب عن السنغال مع فرض العقوبات الواجبة، أو يفتح الباب لسابقة فوضوية تهدد مستقبل كل المنافسات القارية. أما الفيفا، باعتبارها الحارس الأعلى لقوانين اللعبة، فهي مطالبة بدورها بمتابعة الملف، لأن تجاوز القوانين في بطولة قارية ليس حدثًا معزولًا، بل سابقة قد تمتد إلى باقي المسابقات الدولية إذا لم يتم قطعها من جذورها.
إن الحقيقة لا تحتاج إلى تجميل، والوقائع لا تُخفى، واللوائح لا تُفسّر وفق الرغبات. نحن أمام انسحاب واضح، خرق صريح، وسلوك غير رياضي يُفترض أن يُعالج بالصرامة اللازمة، احترامًا للجمهور، وصونًا لمصداقية كرة القدم، وحمايةً لهيبة البطولة التي لا ينبغي أن تتحول إلى مسرح للانسحابات.
إن سحب كأس إفريقيا من السنغال ليس خيارًا مطروحًا للنقاش، بل واجب قانوني وقرار يُعيد الاعتبار للرياضة الإفريقية، ويضع حدًا لفضيحة يمكن أن تتحول إلى عرف مدمر إذا لم يتم التعامل معها بحزم ووضوح.
