في تصريح ساخر أثار مؤخرًا اهتمامًا واسعًا، قال رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك خلال استجواب صحافي: «عندما يسألونني هل أنا فضائي؟ أجيبهم أنني فعلًا فضائي، لكنهم لا يصدقونني». عبارة أعادت إلى الواجهة نقاشًا ليس جديدًا، بل سبق أن طُرح منذ سنوات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث دأبت مجموعة من المستخدمين على الترويج لفكرة أن ماسك «فضائي» أو «غير بشري»، في خطاب يتراوح بين السخرية ونظريات غير علمية.
فهؤلاء الأشخاص لم يظهروا عقب التصريح الأخير، بل يعود حضورهم الرقمي إلى سنوات مضت، إذ اعتادوا الظهور في مقاطع فيديو ومنشورات وتعليقات يؤكدون فيها، على سبيل الجدل أو المبالغة، أن ماسك ينتمي إلى «عالم آخر»، مستندين إلى سرعة أفكاره ومشاريعه غير المسبوقة. ومع كل تصريح مثير أو مشروع جديد، يتجدد هذا الخطاب ويجد طريقه إلى التداول، ما يجعل المسألة جزءًا من ثقافة رقمية تراكمية لا ترتبط بلحظة واحدة فقط.
تصريح ماسك الأخير بدا، في هذا السياق، كأنه وعي ضمني بهذا الجدل المتكرر، واستخدام ساخر له بدل مواجهته أو نفيه بشكل مباشر. فهو لم يقدّم نفسه بوصفه «فضائيًا» بالمعنى الحرفي، بل استثمر الصورة التي بناها عنه البعض منذ سنوات، كرجل يفكر خارج الإطار التقليدي، ويتعامل مع المستقبل كما لو كان حاضرًا أمامه.
وُلد إيلون ماسك سنة 1971 في جنوب إفريقيا، قبل أن ينتقل إلى كندا ثم الولايات المتحدة، حيث شق طريقه نحو وادي السيليكون، وبنى مسيرة جعلته من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للجدل في العصر الحديث. منذ بداياته، ارتبط اسمه بالمشاريع عالية المخاطر والرهانات الكبرى التي لا تجد دائمًا إجماعًا، وهو ما غذّى صورته كشخص «غير مألوف» في عالم الأعمال.
ويبرز هذا الطابع بوضوح في مشروعه الفضائي عبر شركة SpaceX، التي أحدثت تحولًا جذريًا في قطاع الفضاء من خلال الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام وخطط استيطان المريخ. هذا الارتباط الدائم بالفضاء شكّل، منذ سنوات، مادة خصبة للخطاب الذي يصفه بـ«الفضائي»، سواء بدافع الإعجاب أو السخرية.
وفي موازاة ذلك، قاد ماسك تحولًا كبيرًا في صناعة السيارات عبر Tesla، متحديًا النماذج الصناعية التقليدية، وراهنًا على السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة. نجاح هذا الرهان جعله رمزًا للابتكار الجذري، لكنه وضعه أيضًا في قلب نقاشات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتقاطع الإشادة مع الانتقاد.
ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، بل امتد إلى مشاريعه في مجال التكنولوجيا العصبية، مثل Neuralink، التي تهدف إلى ربط الدماغ البشري بالذكاء الاصطناعي. وهي مشاريع زادت من حضور الخطاب الذي يصوره كشخص «يتجاوز الحدود البشرية»، وأعادت إحياء المزاعم القديمة التي تتعامل معه كحالة استثنائية خارجة عن المألوف.
وبينما يستمر بعض مستخدمي المنصات الرقمية في ترديد فكرة أنه «فضائي»، يظل هذا الوصف، في جوهره، تعبيرًا رمزيًا عن الفجوة بين سرعة أفكار ماسك وقدرة الرأي العام على استيعابها. فحين يكرر ماسك، ساخرًا، أنه «فضائي»، فهو لا يضيف ادعاءً جديدًا، بل يعكس جدلًا رقميًا قديمًا يتجدد مع كل محطة من مسيرته.
وفي عالم تصنع فيه وسائل التواصل الاجتماعي الصور الذهنية وتضخّم الرموز، يبدو إيلون ماسك مثالًا حيًا على كيفية تحوّل رجل أعمال إلى ظاهرة ثقافية، تختلط حولها الحقيقة بالخيال، والإنجاز العلمي بالسخرية الرقمية، في نقاش مستمر لا يبدو أنه سيتوقف قريبًا.
