بنعليلو يُؤطّر نقاشًا وطنيًا حول دور المقاولة في ترسيخ النزاهة وحقوق الإنسان ضمن اقتصاد مسؤول

افتتح محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أشغال منتدى إقليمي حول “المقاولة وحقوق الإنسان في ظل اقتصاد مسؤول يراعي مبادئ النزاهة ومكافحة الفساد”، بمراكش يومه الثلاثاء 24 يونيو الجاري، بحضور عدد من الوزراء، وممثلي مؤسسات وطنية ودولية، وسفراء وشخصيات من مجالات الاقتصاد وحقوق الإنسان.

وفيما يلي الكلمة التي ألقاها محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، خلال هذا المنتدى:

السادة الوزراء،

السيدات والسادة رؤساء المؤسسات والهيئات الوطنية والدولية،

السيد المندوب الوزاري لحقوق الإنسان،

السيدات والسادة السفراء،

الحضور الكريم،

يشرّفني أن أشارككم هذا المنتدى الهام، الذي يأتي في ظرفية دقيقة من تحولات بيئتنا الاقتصادية الوطنية والإقليمية، لنسائل معا، موقع المقاولة، في سياق مشروع تنموي أوسع، يقوم على مقومات النزاهة وحقوق الإنسان.

كلنا يعلم، أن مداخل الحديث عن المقاولة، لم تعد مقتصرة على المقاربة الاقتصادية البحتة، المختزلة في دينامية الاستثمار، ومحددات الإنتاجية، ومعايير الربح والمنافسة، بل دخلت مرحلة جديدة تجعل من المقاولة فاعلًا مؤثرًا في معادلة الحقوق، ورافعة حقيقية في ترسيخ أسس الوقاية من الفساد، في إطار ما يعرف بالمسؤولية الاجتماعية للمقاولة.

ففي ظل تزايد كلفة الفساد على المستوى الدولي، تتعاظم مسؤولية المقاولة، التي أصبحت مطالبة اليوم بأن تبتكر نماذج اقتصادية أكثر إنصافًا، وأن تُترجم التزامها بمكافحة الفساد إلى ممارسات ملموسة، تتجاوز الامتثال الشكلي للنصوص، إلى جعل النزاهة جزءا لا يتجزأ من رؤيتها الاستراتيجية، فالتزامها بمكافحة الفساد ليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو في جوهره التزام حقوقي صريح.

ببساطة لأن المقاولة التي تتجاهل الأثر الحقوقي لأنشطتها، أو تتسامح مع الفساد في سلاسل التوريد، أو تستفيد من علاقات ريعية مشبوهة، تساهم بشكل مباشر في تكريس اللامساواة، وإضعاف مناعة المؤسسات، وتقويض الحق في التنمية العادلة.

حضرات السيدات والسادة، إن المنتظم الدولي لم يعد يقبل اليوم الفصل بين الاقتصاد ومحاربة الفساد وحقوق الإنسان. فالمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة، والتوصيات المتقدمة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، تؤكد على أن الالتزام الحقوقي للمقاولة لا يُقاس فقط بعدم انتهاك هذه الحقوق داخل فضاء العمل، بل يُقاس كذلك بقدرتها على بناء منظومة حكامة داخلية، شفافة، خالية من تضارب المصالح، قائمة على العناية الواجبة بمخاطر الفساد والتأثير غير المشروع على القرار الاستثماري العام.

السيدات والسادة

أعتقد أنه في إفريقيا كما في العالم العربي، حيث تتقاطع تحديات التنمية مع انتظارات الديمقراطية، تصبح مسؤولية المقاولة مضاعفة. فكما هي مطالبة ببناء استثمار مسؤول، مطالبة أيضا بأن تكون حليفة في معركة بناء الثقة، وردم فجوة الريع، وإنهاء ممارسات الاستغلال اللامشروع للسلطة.

وهذا ما يجعل من تعزيز الشفافية داخل عالم المقاولة، ومن ترسيخ آليات الامتثال الداخلي، ومن تفعيل آليات التبليغ، إجراءات تقنية ضرورية للتعبير عن انخراط صريح في مشروع مجتمعي قائم على التنمية العدالة.

علما أن المقاولة مدعوة بإلحاح إلى تجاوز منطق “الامتثال الأدنى” للقوانين والنظم، نحو “التزام واعي واختياري وطوعي” بقيم النزاهة. فهذا وحده ما سيجعل من تقارير الشفافية، داخل المقاولة، أدوات لتكريس ثقافة النزاهة والحقوق والمساءلة.

لذلك حضرات السيدات والسادة، فإننا في الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، نعتبر أن تعزيز النزاهة، كما أرادها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، هو جزء لا يتجزأ من حماية الحقوق. فنحن لا نحارب الفساد فقط كجريمة، بل كأساس لانعدام المساواة، وكعائقٍ للتنمية، وكخطرٍ على السيادة الاقتصادية.

فالرشوة اعتداءٌ على الحق في تكافؤ الفرص، وعلى العدالة في توزيع الموارد، وعلى حرية المبادرة الاقتصادية. وكل عقد يُمنح خارج المنافسة هو حقٌ مسلوب من مقاولة منافسة، وكل رخصة تستخرج مقابل رشوة هي حرمانٌ من عدالة التوزيع، وكل علاقة زبونية تؤدي إلى إخضاع الموظف لمصالح غير مشروعة، هي مساسٌ مباشر بحقوق الغير.

حضرات السيدات والسادة، إن القطاع الخاص ليس خصمًا في معركة الشفافية، بل شريكٌ لا غنى عنه. فالمقاولة التي تدمج النزاهة في صلب نموذجها الاقتصادي، لا تحمي نفسها من المخاطر فقط، بل تساهم في تحصين الاقتصاد الوطني، وفي تعزيز الثقة العامة، وفي تقوية مناعة المؤسسات ضد الانحرافات.

وطبعا لن تكتمل هذه الشراكة إلا إذا تجاوزنا المقاربة التجزيئية للمسؤولية، فلا السلطات المختصة وحدها قادرة على مكافحة الفساد، ولا الفاعل المقاولاتي يستطيع بمفرده ضمان النزاهة وحقوق الإنسان. نحن بحاجة إلى تحالفات جديدة، إلى تعاقدات مبتكرة، إلى تفعيل حقيقي لمبدأ المسؤولية المشتركة.

ولهذا، فإن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وهي تواكب هذا المنتدى، لا يفوتها أن تنوه بمبادرات مختلف المقاولات والهيئات التي التزمت بالمعيار الدولي لنظم إدارة مكافحة الرشوة، (ISO37001)، وتضع نفسها في ذات الوقت رهن إشارة كل المقاولات التي تسعى إلى الانخراط في هذا المعيار ومساعدتها على تطوير نظام وقائي متكامل ضد الفساد، وإرساء ثقافة النزاهة والامتثال لديها، من أجل بناء اقتصاد مسؤول، يجمع بين الشفافية والفعالية، وبين العدالة والتنافسية، وبين الربح المشروع والالتزام الاجتماعي.

 

كما تضع نفسها رهن إشارة كل المبادرات التي تسعى إلى إرساء وعي فعلي بالمخاطر التي يشكلها الفساد على المقاولة نفسها وعلى الاقتصاد الوطني، باعتبار هذا الوعي شرطًا أساسيًا لتحقيق انخراط واسع النطاق للمقاولات في منظومة النزاهة.

السيدات والسادة، إننا مطالبون جميعا بأن نجعل من منتدانا هذا منصة إقليمية للحوار وميثاقا جماعيا، نرتقي فيه بمفهوم “المقاولة المواطِنة”، ونعيد من خلاله الاعتبار لقيمة العمل، ولأهمية الشفافية، ولقدسية الحق في بيئة نزيهة.

أعتقد أن الدعوة اليوم يجب أن توجه إلى الفاعل المقاولاتي كي يعزز تموقعه داخل النسق الحقوقي، ببناء شرعيته على أساس أخلاقي وإنساني، يكون فيه احترام الحقوق ومحاربة الفساد ليسا عبئًا، بل خيارًا استراتيجيًا داعما للنجاح في لحظات مفصلية تتقاطع فيها رهانات الاقتصاد، والعدالةالاجتماعية

والسلام عليكم”

وفي ختام هذا اللقاء الذي احتضنته مدينة مراكش، يتأكد أن تعزيز موقع المقاولة داخل المنظومة الحقوقية ليس مجرد ترف مفاهيمي، بل ضرورة استراتيجية لربح رهانات التنمية العادلة ومحاربة الفساد بشكل فعّال.

 

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...