بقلم: محفوظ كيطوني
يثير القانون المنظم لمهنة المحاماة رقم 23.66 من جديد اشكالا دستوريا أصبح يتجاوز مسألة تنظيم الانتخابات المهنية وشروط التداول على المسؤوليات داخل مجالس هيئات المحامين ، ليمتد الى حدود سلطة المشرع في ترتيب اثار قانونية جديدة على أوضاع اكتملت في ظل تشريع سابق،ويتجلى هذا الاشكال في المادة: 131 التي اشترطت في المترشح لعضوية مجلس الهيئة ألا يكون نقيبا سابقا أو عضوا بالمجلس لولايتين و المادة 133 التي اشترطت للترشح لمنصب النقيب أن لا يكون نقيبا سابقا أيا كانت مدة الولاية ،دون أن يحدد هذا القانون صراحة ما اذا كان هذا المنع يشمل الولايات التي انتهت قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ .
وتتجلى الأهمية الدستورية لهذا النقاش في إشكالية جوهرية تتعلق بحدود الأثر الزمني للتشريع ، مفادها : الى أي حد يجوز للمشرع أن يرتب ، بموجب قانون لاحق مانع دائم من الترشح استنادا الى ولايات انتخابية اكتملت في ظل تشريع لم يكن يرتب عليها اثر ؟؟
فبالمقارنة بين المادة 131 من القانون الجديد و المادة 88 من القانون السابق 28/08 ،فيتبين لنا بداية عن تحول جوهري في فلسفة تنظيم التداول على المسؤوليات المهنية ،فقد كان التشريع السابق يمنع إعادة انتخاب أعضاء مجلس الهيئة الذين قضوا و لايتين متتاليتين الا بعد مرور ثلاث سنوات ، مع استثناء النقباء السابقين من هذا المنع ، بينما أقر التشريع الجديد مانع قاطع غير محدد المدة يشمل بذلك النقباء السابقين و من سبق لهم شغل عضوية المجلس لولايتين دون اشتراط التتابع بينهما .
وحتى وان كان المشرع يملك صلاحية إعادة النظر في شروط الاهلية الانتخابية انسجاما مع مبدأ التداول و تجديد النخب المهنية ، فان إقرار هذا المبدأ لا يعني التسليم بامتداد أثاره الى الماضي ، لان مشروعية القاعدة التشريعية من حيث موضوعها لا تعني بالضرورة مشروعية تطبيقها على أوضاع سابقة على نفاذها .
ومن هنا تبرز القيمة الدستورية للفصل 6 من دستور المملكة لسنة 2011 الذي نص صراحة على أنه “ليس للقانون أثر رجعي ” فهذه القاعدة ترمي بالأساس الى ضمان الاستقرار القانوني و حماية الأوضاع التي اكتملت وفق القواعد التي كانت تحكمها ، ومنع إعادة ترتيب اثارها بصورة رجعية كلما تدخل المشرع لتغيير النظام القانوني القائم .
ووقد يقال ان المادة 131 لا تسري بأثر رجعي ، مادامت لا تمس بصحة الولايات السابقة و انما تحدد فقط شروط الترشح للانتخابات المقبلة .وهده حجة تستند الى مبدأ التطبيق الفوري للقانون ، لكنها لا تكفي ، في تقديري ، لحسم الاشكال الدستوري ، ذلك أن التمييز بين التطبيق الفوري و الرجعية لا ينبغي أن يقوم حصرا على تاريخ تقديم الترشيح بل يتعين أن يستحضر طبيعة الواقعة المعتمدة لتأسيس المانع ، والاثر القانوني الذي اصبح يرتبه عليها التشريع الجديد من منع و حرمان .
ولتوضيح ذلك ، فان كان المحامي الذي سبق له أن قضى ولايتين متتاليتين في مجلس الهيئة في ظل القانون السابق ،كان يحق له إعادة التشرح بعد انقضاء مدة ثلاث سنوات، فاذا انتهت تلك المدة قبل صدور القانون الجديد ; فان المحامي يكون قد استوفى الشرط القانوني الذي كان يسمح له بالترشح مجددا ،غير ان احتساب الولايتين السابقتين نفسيهما بمقتضى المادة 131 الجديدة لترتيب منع دائم من الترشح , يعني الانتقال من اثر قانوني مؤقت انتهى بانقضاء مدته الى اثر اقصائي جديد و غير محدد زمنيا يستند الى وقائع انتخابية اكتملت في ظل تشريع سابق .
وهذا التمييز يجد ما يسنده في الاجتهاد الدستوري المغربي ، ولا سيما قرار المجلس الدستوري رقم 817/11 الصادر بتاريخ 13 أكتوبر 2011 بمناسبة مراقبة دستورية القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب ، فقد تنازل المجلس مقتضى يمنع من سبق انتخابه في الدائرة الانتخابية الوطنية من إعادة الترشح فيها و اعتبر أن هذا المانع لا ينصرف الى الأوضاع السابقة على نشر القانون التنظيمي استنادا الى مبدا عدم رجعية القوانين المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور .
وأهمية القرار تتجلى على الخصوص في ان المجلس الدستوري ” المحكمة الدستورية حاليا ” لم يعتبر مجرد اجراء انتخابات جديدة بعد نفاذ القانون مبررا كافيا لاحتساب جميع الوقائع الانتخابية السابقة ضمن المانع المستحدث بل ميز بين الأوضاع السابقة و الاثار المستقبلية للتشريع ،والأكثر أنه وصف المقتضى الانتقالي الذي استثنى تلك الأوضاع بأنه مقتضى تشريعي كاشف ، بما يعني أن عدم امتداد المانع الى الماضي كان يجد أساسه في القاعدة الدستورية ذاتها وليس فقط في وجود استثناء تشريعي صريح .
وهنا تحديدا تتعزو القراءة الدستورية التي ندافع عنها بشأن المادة 131 من قانون المحاماة ، فاذا كان القضاء الدستوري قد اعتبر أن مانعا جديدا للترشح لا يمتد الى أوضاع انتخابية سابقة رغم أن الترشيحات المعنية ستقدم في ظل القانون الجديد ، فان من المشروع التساؤل عن الأساس الدستوري الذي يسمح باعتماد و لايات مهنية منقضية لتأسيس منع دائم لم يكن مقررا عند انتهائها .
فالفصل السادس من الدستور لا يقتصر في نطاقه على نوع معين من التشريعات كما أن مسألة امتداد مانع انتخابي مستحدث الى وقائع سابقة تظل في جوهرها مسألة تتعلق بالاثر الزمني للقانون و حدود تطبيقه .
و في السياق نفسه ، فان غياب مقتضى انتقالي صريح في القانون الجديد يحدد مصير الولايات السابقة لا ينبغي أن يشكل أساسا كافيا لاحتسابها و اعتمادها بالحرف ، فالمادة 146 و ان قررت دخول المادة 131 حيز التنفيذ ابتداء من نشر القانون ، فانها تتضمن حكما صريحا يقضي بإعادة ترتيب اثار الولايات التي انتهت قبل ذلك التاريخ ، وان كان دخول النص حيز التنفيذ أمرا لا خلاف بشانه فان تحديد نطاق امتداد المانع المستحدث الى الماضي يظل مسألة مستقلة تستوجب تفسيرا منسجما مع الدستور .
ومنه ، لا يمكن أصلا الفصل هذه الإشكالية عن مبدأ الامن القانوني ،فالافراد و المؤسسات لا يفترض أن تكون أوضاعهم القانونية بمنأى عن كل تغيير تشريعي إير أن التغيير نفسه ينبغي أن يخضع لضوابط تحول دون تحويل وقائع اكتملت في الماضي الى أسباب لقيود جديد غير محددة و دون مراعاة طبيعة تلك الوقائع و الاثار التي كان التشريع السابق يرتبها عليها .
كما أن اعتماد التداول كغاية للمشرع على المسؤوليات المهنية لا يعفي من مساءلة الوسائل القانونية المعتمدة لتحقيقها ، فالتداول يمكن تنظيمه عن طريق تحديد عدد الولايات المستقبلية أو ضبط شروط التجديد ، دون أن يستلزم بالضرورة احتساب جميع الولايات السابقة لتاسيس اقصاء دائم .
ومنة هذا المنطلق ،فلابد من ضرورة تفسير نطاق المادة 131 من قانون المحاماة الجديد الزمني في ضوء سمو الدستور لا ضده .
ان هيئات المحامين 17،بما تضطلع به من دور في الدفاع عن الحقوق و الحريات و سيادة القانون نفانها مدعوة اليوم الى استحضار هذه المبادئ عند تطبيق التشريعات المنظمة لشؤونها المهنية ، فاحترام القانون لا ينفصل عن احترام الدستور ، كما أن القراءة السليمة للنصوص لا ينبغي أن تقف عند حدود منطوقها المجرد بل تمتد الى المبادئ الدستورية التي تحكم تفسيرها و تحدد مجال سريانها .
و عليه فان القراءة الدستورية الاوفق للمادة 131 هي تلك التي تقصر موانع الترشح المستحدثة على الأوضاع التي تتحقق بعد دخول القانون 23.66 حيز التنفيذ ،دون اعتماد الولايات المنقضية في ظل التشريع السابق لتاسيس حرمان ومنع دائم لم يكن مقررا أنذاك ،وهي قراءة تنطلق من مبدأ عدم رجعية القوانين ،وتجد سندها في الدستور و الاجتهاد الدستوري و الأكثر أنها تستهدف تحقيق التوازن بين سلطة المشرع في تنظيم التداول المهني و ضمانة الامن القانوني ,
فالقضية في نهاية المطاف لا تتعلق بالاشخاص الذين سبق لهم تحمل المسؤولية داخل المجالس و لا بمن ينبغي أن يترشح أو يمتنع عن الترشح و انما تتعلق بمبدأ دستوري اسمى من الاعتبارات الانتخابية و المهنية .
ذلك أن سمو الدستور لا يتجسد فقط في خضوع التشريع لاحكامه و انما أيضا في خضوع اثار التشريع و حدود تطبيقه الزمني للمبادئ التي يقررها ، فالقانون ينظم المستقبل لكن امتداد سلطته الى الماضي يظل محكوما بضمانة دستورية لا يجوز افراغها من مضمونها وهي أن القانون ليس له أثر رجعي.
