الشركة الجهوية متعددة الخدمات الرباط–سلا–القنيطرة تؤكد جاهزيتها الكاملة وتقود تدبير مرحلة السيول بسيدي قاسم إلى برّ الأمان
تحوّلت موجة التقلبات الجوية التي ضربت جهة الرباط–سلا–القنيطرة، ومعها الارتفاع اللافت في منسوب عدد من الأودية، إلى امتحان حقيقي لصلابة البنيات التحتية وقدرة المرافق العمومية على حماية “استمرارية الحياة” في زمن السيول. وفي قلب هذا الامتحان، برزت الشركة الجهوية متعددة الخدمات الرباط–سلا–القنيطرة (SRM-RSK) كفاعل حاسم في تثبيت الوضع وتخفيف المخاطر، بإقليم سيدي قاسم الذي وجد نفسه تحت ضغط متزايد بفعل ارتفاع منسوب وادي سبو وتسرب المياه إلى مناطق فلاحية، وما ترتّب عن ذلك من اضطرابات على مستوى بعض المحاور الطرقية والنقط الحساسة.
اللافت في تدخلات الشركة داخل سيدي قاسم ليس فقط “حضورها” في الميدان، بل هندسة تدخلها: منطق استباقي يقوم على قراءة الخطر قبل أن يتحول إلى عطب، ثم تحويل هذه القراءة إلى قرارات تقنية سريعة، ضمن تنسيق مباشر مع السلطات المحلية وباقي المتدخلين. فقد أكد مسؤولون بالشركة، في تصريحات صحفية لجريدة العالم24، أن الفرق سُخّرت بشكل كامل لمواجهة موجة التساقطات وارتفاع منسوب وادي سبو وباقي أودية منطقة الغرب، وأن الأولوية وُجهت إلى حماية منشآت التطهير السائل باعتبارها خط الدفاع الذي إن اختنق أو ارتدّ، تحولت الأمطار من “حدث طبيعي” إلى “أزمة حضرية”.
عملياً، ارتكز التدخل على إجراءات دقيقة ذات أثر مباشر: منع تسرب مياه الأودية إلى قنوات التطهير عبر تدخلات مكثفة استُخدمت فيها معدات ضخ متطورة وآليات خاصة لسد قنوات الإفراغ، بهدف تقليص المخاطر والحفاظ على مردودية الشبكة وسلامة المنشآت. وفي الوقت نفسه جرى تفعيل حزمة تدابير استباقية لضمان استمرارية الصرف الصحي، شملت تنظيف الشبكات ومجاري الصرف تفادياً للاختناقات، مع إصلاحات فورية للشبكات التي تضررت بقوة التساقطات، إلى جانب وضع أكياس رملية وحواجز وقائية لمنع تدفق مياه الوادي المرتفعة نحو الشبكة.
على الأرض، تتجسد هذه “الهندسة” في مشاهد عمل متواصل بنظام المداومة 24/24، وتعزيز الوسائل بمحور الحوافات – مشرع بلقصيري، وتعبئة آليات الهيدروكوراج وتركيب مضخات كهربائية بالنقط المعرضة للفيضانات، وهي تفاصيل تعكس كيف تُدار المخاطر حين تكون الدقيقة الواحدة فاصلة بين الاستقرار والفوضى.
لكن قراءة تدخل الشركة بسيدي قاسم تكتمل عندما نضعها داخل سياق أعقد: ليس كل اضطراب في الماء أو الكهرباء سببه الشبكة المحلية وحدها؛ فقد سجلت بعض الدواوير التابعة لجماعتي لمرابح وعين الدفالي اضطرابات في التزود بالماء الصالح للشرب ابتداءً من فاتح فبراير 2026، وأُرجعت إلى فيضانات مست منشآت إنتاج الماء التابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء (ONEE). هنا يظهر الفرق بين “خلل الإنتاج” و“قدرة التوزيع على امتصاص الصدمة”: الشركة تواصلت، نسّقت، وتدخلت ميدانياً من أجل الاسترجاع التدريجي للوضع وتحسين التزويد في أقرب الآجال الممكنة، وهو سلوك تدبيري ناجح.
والأهم أن هذا الأداء ليس حدثاً معزولاً، بل يعكس منطقاً مؤسساتياً جديداً تشتغل به SRM-RSK منذ انطلاقتها: فالشركة التي بدأت أنشطتها رسمياً في 1 يونيو 2025 ضمن تنزيل ورش حكامة موحدة لخدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل، تؤكد على التعبئة التقنية لضمان انتقال “سلس وآمن ودون انقطاع للخدمات”، وعلى نموذج تدبير يقوم على النجاعة والتقنيات الحديثة والقرب من المواطن. هذا الإطار يفسّر لماذا تتحول التعبئة في ظرف سيول إلى “منظومة اشتغال”.
في سيدي قاسم، كان وادي سبو “رئة المدينة” كما وصفه فاعل جمعوي بمشرع بلقصيري، ولذلك كان منطق التدخل واضحاً: حماية الرئة حتى لا تختنق المدينة. وبين فتح المجاري، وإزالة الترسبات، وحماية منشآت التطهير، وتأمين النقط الحساسة، يبرز معنى واحد: حين تكون الخدمة العمومية في أقصى اختباراتها.
هكذا، لم تُسجَّل تدخلات الشركة الجهوية متعددة الخدمات الرباط–سلا–القنيطرة في إقليم سيدي قاسم كأشغال تقنية فحسب، بل كجزء من معادلة أكبر عنوانها استمرارية الحياة. فحين تمرّ موجة سيول دون انهيار في الخدمات الحيوية، ودون ارتداد في شبكات التطهير، ودون ارتباك يُضاعف حجم الخطر، فإن ذلك يعني أن وراء المشهد منظومة جاهزية متكاملة، ولوجيستيك محكم، وخبرة ميدانية، وتدبيراً للأزمات يشتغل على التفاصيل الدقيقة قبل أن تتحول إلى كوارث كبرى.
