المغرب.. دولة تصنع المجد ولا تشتريه

في المغرب، لا نبيع ولا نشتري. نحن نؤمن بأن العمل هو الطريق الوحيد لصناعة المستقبل. هنا تُصنع الطائرات وتُركَّب السيارات، وتُزرع الأرض بخيراتها، وتُشَيَّد السكك الحديدية التي تعبر فوقها أسرع القطارات في القارة. هنا تُبنى النساء كما الرجال، ويكبر الطموح كل يوم مع وطن يعرف كيف يحول الإرادة إلى إنجاز.

وفي الرياضة، الصورة أكثر وضوحاً. فالمغرب يحتل المركز الثامن عالمياً في تصنيف الفيفا، ويحمل في رصيده خلال أشهر قليلة ألقاباً وبطولات صنعت مجداً استثنائياً: بطل العالم في تشيلي، بطل العرب في قطر، صاحب المعدن النفيس في ألعاب باريس الأولمبية، بطل إفريقيا في الشان، وملك القاعة بلا منازع. تأهل المنتخب النسوي إلى المونديال وخسر نهائي الكان بشرف، واستمرت رحلة الأسود في إثبات أن المغرب قوة كروية صاعدة، رفعت أسهم القارة الإفريقية في بورصة الكرة العالمية. لقد بلغنا في كأس العالم بقطر مربع الكبار، وأحرجنا بطلة العالم فرنسا، ومررنا من إسبانيا وكرواتيا وبلجيكا والبرتغال بصلابة لا تصنعها إلا روح وطن يعرف قيمته.

ومع تنظيم المغرب لكأس الأمم الإفريقية الأخيرة، شاهد العالم نسخة لم تعرفها القارة منذ أن بدأت كرة القدم. من المطارات إلى الطرق السريعة، ومن القطارات إلى الفنادق والملاعب، عاشت القارة الإفريقية أجواء بطولة عالمية بمعايير دقيقة واحترافية عالية، في بلد لا يعرف أهله إلا الترحاب والكرم. كانت المشاهد غير مسبوقة، والمدن المغربية تعيش شغف اللعبة بروح حضارية جعلت ملايين المشجعين والبعثات يشعرون بأنهم في وطنهم.

لكن النجاح الكبير، بطبعه، يوقظ الغيرة في نفوس البعض. تحركت بعض الأصوات، وانتقلت العدوى من بعض وسائل الإعلام إلى بعض البعثات، ثم ظهرت التصريحات المتوترة التي تحاول تعليق الفشل على شماعة التحكيم، وكأن نظرية المؤامرة هي الملاذ الوحيد لمن لم يستطع مواجهة الحقيقة داخل الملعب. ومع كل ضغوط وتصرفات غير رياضية، اتضح للعالم أن المشكلة ليست في المغرب، بل في عقلية ما زالت تصر على إبقاء إفريقيا قارة هاوية، بينما المغرب يقودها نحو الاحتراف الحقيقي.

وبعد فوضى الانسحاب ثم العودة، وبعد كل التصريحات اللئيمة التي لا تليق بقارة في القرن الواحد والعشرين، ثبت أن المغرب يسير بسرعة تتجاوز كثيرين، وأن الرياضة بالنسبة إليه بوابة للتسامح والتنافس الشريف، لا مجال فيها للتدليس أو تدمير ما تبنيه الشعوب بإرادتها.

انتهت منافسات الكان، لكن الأرقام بقيت شاهداً: أكثر من مليون ومئتي ألف متفرج تابعوا المباريات من المدرجات، وأكثر من مليارين ونصف شاهدوا المباريات حول العالم عبر الشاشات، بينما ارتفعت مداخيل الكاف بأكثر من 90%، وتجاوزت عائدات الإعلانات والبث التلفزي 100 مليون دولار. هذه ليست مجرد أرقام، بل حقائق تثبت أن المغرب لا يبيع ولا يشتري، بل ينافس بشرف، ويرتقي بالمنافسات الإفريقية إلى مستوى عالمي طالما حلمت به الشعوب.

وهكذا، تبقى نسخة المغرب من كأس الأمم الإفريقية بداية النجاح وخبر التميز، ودليلاً ساطعاً على أن القارة تستحق الأفضل… وقد كشف المغرب هذه الحقيقة بالصوت والصورة والعمل والنتائج.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...