الكاتب: رضوان الله العطلاتي
في خطوة غير متوقعة قلبت موازين المواجهة بين المغرب وإسبانيا المدعومة من الجزائر، أعلنت المفوضية الأوروبية اليوم أن المنتجات الفلاحية والبحرية القادمة من الأقاليم الجنوبية المغربية لا تواجه أي إشكال قانوني لدخول الأسواق الأوروبية، مؤكدة أن الاتفاقيات الفلاحية مع المغرب تظل سارية المفعول وتشمل الصحراء المغربية دون تحفظ. هذا الموقف جاء ليضع حدًا للتناقض الصارخ بين قرارات بعض هيئات القضاء الأوروبي التي سبق أن أصدرت أحكامًا متأثرة بضغوط لوبيات مدعومة بالمال الجزائري، وبين الموقف السياسي الرسمي للاتحاد الأوروبي الذي يصر على أن السياسة هي التي تحدد خياراته الاستراتيجية وليس اجتهادات قضائية عابرة.
إسبانيا التي وجدت نفسها في وضع محرج بعد أن غذّت توترات كثيرة حول الصحراء المغربية من خلال منظماتها الفلاحية وجمعياتها المدعومة من لوبيات جزائرية، تدرك اليوم أن المنافسة الحقيقية آتية من المنتوج المغربي، خصوصًا الطماطم المزروعة في البيوت البلاستيكية الحديثة بالصحراء المغربية، والتي صارت عقدة حقيقية للفلاح الإسباني. فالمغرب استثمر بشكل ضخم في مشاريع فلاحية استراتيجية بالأقاليم الجنوبية، ونجح في ضمان جودة وتنافسية تجعل صادراته قادرة على انتزاع حصص مهمة من السوق الأوروبية، وهو ما يثير غضب المزارعين الإسبان الذين طالما اعتبروا السوق الأوروبية حديقتهم الخلفية.
الجزائر التي صرفت أموالًا طائلة في تحريك اللوبيات الأوروبية والضغط داخل أروقة البرلمان الأوروبي من أجل استصدار قرارات ضد المغرب، خسرت مرة أخرى معركة مكشوفة. فالمفوضية الأوروبية بتأكيدها أن المنتوجات القادمة من الصحراء المغربية لا تواجه أي عائق قانوني أو تجاري، نسفت عمليًا كل الجهود التي بذلتها الجزائر لتسييس ملف اقتصادي بحت وتحويله إلى ورقة مساومة سياسية. الأمر هنا لا يتعلق بمنّة على المغرب، بل بتصحيح خطأ قانوني ساهمت الجزائر في تضخيمه، وتوضيح أن القرارات المصيرية في أوروبا تصنع في بروكسيل حيث السياسة تعلو على كل اعتبارات أخرى.
وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة كان قد لمح في تصريحات سابقة إلى عبثية بعض أحكام المحكمة الأوروبية، متسائلًا عن خلفياتها وعن غياب المسؤولية لدى قضاتها الذين غادر بعضهم مناصبهم مباشرة بعد إصدار تلك القرارات، وكأنها أحكام بلا قيمة عملية. تصريحاته حينها أثارت الانتباه، ويبدو أن الاتحاد الأوروبي التقط الرسالة جيدًا، ليعود اليوم ويصحح المسار مؤكدًا أن ما يربط المغرب بأوروبا هو شراكة استراتيجية عميقة، وأن أي منتوج مصدره الأقاليم الجنوبية هو منتوج مغربي خالص يستفيد من الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف.
المرحلة المقبلة مرشحة لتشهد توترًا جديدًا بين المفوضية الأوروبية والفلاحين الإسبان الذين سيلجؤون كالعادة إلى الشارع والاحتجاج على مرور الشاحنات المغربية المحملة بالطماطم والفواكه والأسماك. غير أن قرار بروكسيل الواضح أعطى الضوء الأخضر للمغرب ليتقدم أكثر في تعزيز مكانته بالسوق الأوروبية، وليؤكد مرة أخرى أن دبلوماسيته الهادئة والذكية قادرة على الانتصار حتى في أصعب الملفات. لقد انتصرت السياسة على المناورات، وانتصر المغرب على خصومه، بينما بقيت إسبانيا والجزائر تجران ذيول الخيبة في مواجهة بلد يعرف كيف يحول تحدياته إلى فرص.
