الاعتـ ـقال الاحتياطي بين ترشيد الممارسة وإكراهات التنزيل.. قراءة قانونية من زاوية عمل النيابة العامة
في إطار أشغال الندوة العلمية المنظمة حول موضوع “الاعتقال الاحتياطي بين جهود الترشيد وإكراهات التنزيل”، قدّم الأستاذ عبد الصمد البردعي، النائب الأول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، مداخلة قانونية رصينة، عكست عمق الإشكالية المطروحة وأبرزت التحديات والرهانات المرتبطة بها، خاصة من زاوية عمل النيابة العامة في أنسنة هذا التدبير الاستثنائي وترشيده، بما يحقق التوازن بين حماية الأمن العام وضمان حقوق الأفراد.
حيث استهل الأستاذ البردعي مداخلته بالتأكيد على أن الاعتقال الاحتياطي ليس مجرد إجراء قضائي عابر، بل هو آلية دقيقة لها امتدادات قانونية واجتماعية ومؤسساتية، تستدعي قراءة معمقة، في ظل ما تشهده السياسات الجنائية المعاصرة من تحول نحو بدائل الاعتقال والتقليل من اللجوء إليه كلما أمكن ذلك، فالاعتقال الاحتياطي، من وجهة نظر القانون، لا يهم إلا الأشخاص الذين لم يصدر في حقهم بعد حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به، الأمر الذي يستدعي من المشرع، حسب المتدخل، إعادة صياغة المفهوم في قالب حديث منسجم مع توجهات الأنظمة القانونية المقارنة، خاصة الأوروبية منها.
واعتبر المتدخل أن كثرة النصوص الزجرية في التشريع الوطني، وتوسعها في التنصيص على العقوبات السالبة للحرية، قد يكون له أثر سلبي على ترشيد الاعتقال، وهو ما يستوجب إعادة التفكير في المنظور التشريعي السائد، والانتقال من المقاربة العقابية الصرفة إلى مقاربة وقائية وعلاجية، تتدرج في العقوبة وتفسح المجال أمام كل من بدائل العقاب و العقوبات البديلة، لاسيما في ضوء القانون رقم 22.43 المتعلق بهذا النوع من التدابير، التي تبناها المشرع المغربي حديثا والذي،سيدخل حيز التنفيذ في الثاني والعشرون من هذا الشهر (22/08/2025) إذ جاء بجملة من الآليات الجديدة في تطور الجزاء الجنائي المغربي ، بالانتقال من النظام الثنائي في العقاب ، بين العقوبة الأصلية و الإضافة الى اعتماد النظام الثلاثي في الجزاء بتبني المشرع المغربي لبعض صور العقوبات البديلة ، كعقوبة: “العمل لأجل المنفعة العامة” و “المراقبة الإلكترونية ” و “تقييد بعض الحقوق أوفرض تدابير رقابية أو علاجية او تأهيلية” و كذا ” الغرامة اليومية” .
وأشار الأستاذ البردعي إلى أن السياسة الجنائية ما تزال محدودة من حيث البدائل الواقعية للاعتقال، داعيًا إلى تسريع وتيرة التفعيل التشريعي والإجرائي للبدائل المقترحة، بما ينسجم مع المعايير الدولية ويخفف من حدة الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية. كما شدد على ضرورة تدبير الزمن القضائي بما يضمن المحاكمة العادلة واحترام الآجال القانونية، من خلال اعتماد الآجال الاسترشادية الصادرة عن اللجنة الثلاثية، والتي يمكن للقضاة الاستناد إليها في إصدار الأحكام داخل آجال معقولة، بما يسهم في الحد من فترات الاعتقال الاحتياطي غير المبررة.
على مستوى آخر، أكد المتدخل أن ترشيد الاعتقال لا يمكن أن يتحقق دون مراعاة العوامل المجتمعية المؤثرة ، وعلى رأسها ارتفاع منسوب الجريمة وتزايد الضغط على المؤسسات الأمنية والقضائية، وهو ما يستوجب تعزيز الدور الوقائي للدولة، وتحقيق التكامل بين النيابة العامة وباقي المؤسسات الفاعلة في مجال العدالة الجنائية ورصد الجريمة ، من قبيل تفعيل دور المرصد الوطني للإجرام، والوحدة المكلفة بتتبع الدعوى العمومية ورصد الجريمة لدى رئاسة النيابة العامة، عبر إنجاز دراسات وأبحاث ووضع خطط وبرامج واضحة وفعالة تساعد في بلورة استراتيجيات متكاملة تعنى بالحد من الخطورة الإجرامية ومحاربة الجريمة والتقليل من حالة العود إليها .
كما أشار إلى ضعف الثقافة القانونية داخل المجتمع، فيما يخص تقييم أداء العدالة الجنائية، وهو ما يستدعي تعزيز برامج التوعية والتحسيس، وتكريس فكرة أن الاعتقال الاحتياطي ليس هو الأصل، بل هو استثناء يُلجأ إليه فقط عند توفر شروطه القانونية، لاسيما خطورة الفعل الإجرامي أو خطورة الجاني، وهو ما يتطلب العمل أيضا على ترسيخ ثقة المواطن في العدالة، وجعل الإدارة القضائية في خدمة هذا الأخير ، تكريسًا لمفهوم العدالة المواطنَة.
وفي صلب المداخلة، قدم الأستاذ البردعي قراءة معمقة في دور النيابة العامة في ترشيد وأنسنة الاعتقال الاحتياطي، من خلال جملة من الآليات العملية التي يستوجب الأخد بها ، أبرزها تفعيل سلطة الملاءمة في تحريك الدعوى العمومية، وتبني مقاربة بدائل العقاب ، وإجراء مسطرة الصلح ،فضلا عن اتخاذ قرارات الحفظ للاأداء مثلا في القضايا البسيطة، كقضايا النفقة، والشيك ، أو تلك المتعلقة بالتنازل المدلى به من طرف الضحايا او المشتكون سواء كانوا أشخاص طبيعين او مؤسسات عمومية ، كإدارة الجمارك والمياه والغابات او غيرها من المؤسسات العمومية التي لها علاقة بالموضوع.
كما توقف عند دور النيابة العامة في تفعيل مسطرة الصلح المنصوص عليها في المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية، مستعرضًا أرقامًا تدل على تطور هذا التوجه، إذ تم اعتماد حوالي 9557 مسطرة صلح سنة 2022، بنسبة ارتفاع ناهزت 110% مقارنة بالسنة التي سبقتها.
كما نوه الأستاذ البردعي بتقييد اللجوء إلى تدابير الحراسة النظرية، والحرص على عدم اتخاذ هذا الإجراء إلا في الحالات التي تبرره قانونًا، كحالة التلبس أو خطورة الفعل أو حماية سلامة المتهم نفسه. وأكد في السياق ذاته، على اعتماد بدائل الاعتقال، كالضمانات الشخصية أو الكفالات المالية، كلما توفرت الشروط القانونية لذلك، في احترام تام لمبادئ العدالة.
وشدد المتدخل على أهمية التحول من الوسائل التقليدية للإثبات إلى الوسائل الحديثة، من قبيل الخبرات التقنية والإلكترونية، الجينية والصوتية، وغيرها فضلا عن اعتماد تقنيات حديثة في البحث الجنائي ومسرح الجريمة ، بما يمكن من بناء قضايا محكمة ذات جودة عالية، تحفظ المصلحة العامة وتحمي الحقوق الفردية على حد سواء.
وفي الختام، أكد الأستاذ عبد الصمد البردعي أن النيابة العامة تبذل جهودًا كبيرة في تتبع وضعية الأشخاص الخاضعين للحراسة النظرية، وتوفير الرعاية الصحية لهم ، وضمان حماية المشتكين، ومراقبة السجلات وتوثيق الإجراءات، إلى جانب عقد لقاءات شهرية منتظمة في إطار لجنة مشتركة يرأسها السيد وكيل الملك ورئيس المحكمة، بحضور باقي الفاعلين في مجال العدالة الجنائية، تنفيذًا لدورية السيد رئيس النيابة العامة عدد 28 الصادرة بتاريخ 5 دجنبر 2022.
وختم مداخلته بالتأكيد بكون الاعتقال الاحتياطي شأن يتداخل فيه القانوني بالمجتمعي، ويتطلب من جميع الفاعلين القضائيين والأمنيين والدفاع والمجتمع المدني، العمل جميعا يدًا في يد لترشيده وأنسنة ممارسته، وتخفيف كلفته الاقتصادية والاجتماعية، بما يخدم العدالة والكرامة الإنسانية.
