مشروع القانون 26.25 يعيد هيكلة المجلس الوطني للصحافة في أفق حكامة ديمقراطية فعالة

في خطوة تشريعية طال انتظارها من قبل المهنيين، أفرجت الحكومة عن مشروع القانون 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة والنشر، والذي جاء ليضع حدًا للاختلالات التي عرفها تنظيم المجلس خلال السنوات الأخيرة، خاصة على مستوى تجديد هياكله وصعوبة تدبير المرحلة الانتقالية، مع تعزيز استقلالية القطاع وترسيخ مبادئ الشفافية والمناصفة.

ومن أبرز المستجدات التي حملها هذا المشروع، تخفيض شرط الأقدمية في الترشح لعضوية المجلس من خمس عشرة سنة إلى عشر سنوات فقط، ما يفتح المجال أمام طاقات جديدة للانخراط في تدبير شؤون المهنة، ويمنح نفسًا جديدًا للتمثيلية داخل المجلس. كما أقر المشروع إحداث لجنة إشراف مستقلة يُناط بها تنظيم الانتخابات المهنية للصحافيين، في خطوة تستهدف ضمان النزاهة والشفافية، مع تمكين المتضررين من الطعن القضائي ضمن آجال مضبوطة.

وفي ما يشبه تصحيحًا تشريعيًا لتجربة سابقة وُصفت بـ”العالقة”، سنّ المشروع مسطرة واضحة لتجاوز حالات تعذر تجديد هياكل المجلس، من خلال التنصيص على إمكانية إحداث “لجنة خاصة” مؤقتة تُشكّل بحكم قضائي وتتولى تدبير المرحلة الانتقالية لمدة لا تتجاوز 120 يومًا، تضمن فيها استمرارية المهام دون فراغ مؤسساتي.

ويؤكد المشروع الجديد على تعزيز الانسجام مع الفصول 25 و27 و28 من الدستور، المتعلقة بحرية التعبير والتنظيم الذاتي، حيث يهدف إلى تحصين قطاع الصحافة والنشر من خلال تقوية البنية القانونية للمجلس الوطني باعتباره هيئة مستقلة بمهمة تنظيم المهنة أخلاقيًا ومؤسساتيًا، وتمثيل مهنيي الصحافة على نحو ديمقراطي ومسؤول.

وفي اتجاه تقوية الحكامة المؤسساتية، وسّع مشروع القانون اختصاصات المجلس بإحداث سجلين خاصين، الأول للصحافيين المهنيين الحاصلين على بطاقة الصحافة المهنية، والثاني للناشرين، ما يشكل آلية فعالة لضبط القطاع وتحيين المعطيات المتعلقة به بشكل دائم.

وفي السياق ذاته، ألزم المشروع المجلس بنشر ميثاق أخلاقيات المهنة وجميع أنظمته في الجريدة الرسمية، بما يكرس مبدأ الشفافية والعلنية، ويعزز من ثقة الرأي العام والفاعلين المهنيين في المجلس كجهاز منظم لمهنة حيوية وحساسة.

أما على مستوى الهيكلة، فقد حدد المشروع عدد أعضاء المجلس في 17 عضوًا، موزعين بين ثلاث فئات: سبعة ممثلين للصحافيين المهنيين عن طريق الانتخاب المباشر، وسبعة ممثلين للناشرين يتم انتدابهم من طرف منظماتهم المهنية وفق معايير دقيقة تشمل عدد المستخدمين المصرح بهم ورقم المعاملات السنوي، إضافة إلى ثلاثة أعضاء تعينهم مؤسسات وهيئات دستورية، ما يعزز حضور مؤسسات الحكامة في تأطير هذا المجال الحيوي.

ولم يغفل المشروع مبدأ المناصفة، حيث نص صراحة على تخصيص ما لا يقل عن ثلاثة مقاعد للصحافيات المهنيات ضمن فئة ممثلي الصحافيين، كما تم اعتماد آلية لمنع تتابع أسماء من نفس اللوائح على مستوى الناشرين، بهدف تحقيق التوازن بين الجنسين في التمثيلية داخل المجلس.

ومن جانب آخر، شمل المشروع تعديلات مهمة تتعلق بإعادة ضبط النصاب القانوني للاجتماعات، وتقنين مساطر التبليغ وتحديد آجال البت في القضايا، ما يضفي مزيدًا من المرونة على الأداء المؤسساتي. كما تم تطوير آليات الوساطة والتحكيم لتكون أكثر فعالية في فض النزاعات الداخلية، وتعزيز ثقافة الحوار داخل الحقل الإعلامي.

ويأتي هذا المشروع القانوني ليستجيب لمجموعة من الإكراهات العملية التي تم رصدها من طرف اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، التي تم إحداثها وفق القانون 15.23، حيث شكلت توصياتها قاعدة أساسية لصياغة النص الجديد، الذي يراهن عليه لإعادة الثقة إلى الجسم الصحافي الوطني، وتوفير إطار قانوني متين يضمن الاستمرارية والتنظيم الذاتي الحقيقي.

في المحصلة، يمكن اعتبار مشروع القانون 26.25 محطة مفصلية في مسار تأهيل المنظومة الصحافية بالمغرب، ليس فقط من حيث التنظيم الهيكلي والإجرائي، وإنما كذلك من زاوية تعزيز الثقة في المؤسسات المهنية، والارتقاء بأخلاقيات الممارسة، في سياق يتسم بتحولات كبرى على المستويين الوطني والدولي في علاقة الإعلام بمحيطه المجتمعي والسياسي.

 

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...