بينما تخطو التكنولوجيا بخطى متسارعة نحو المستقبل، تعيش محركات البحث تحوّلاً جذريًا يعيد رسم علاقتها بالمستخدمين، إذ لم يعد الوصول إلى المعلومة مقتصرًا على إدخال كلمات والضغط على “بحث”، بل باتت التجربة أشبه بحوار ذكي، تقوده أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على إدراك النية وتقديم إجابات مخصصة وسريعة.
غوغل، التي لطالما تربعت على عرش البحث، أدخلت تحديثات ثورية على منصتها، مفعّلة “الوضع الذكي” في متصفح كروم وصفحة البحث، لتقدم تجربة تفاعلية جديدة تحاكي منصات المحادثة مثل ChatGPT. الخطوة التي أعلن عنها سوندار بيتشاي، المدير التنفيذي لألفابت، خلال مؤتمر الشركة، عكست توجهًا واضحًا نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صميم تجربة المستخدم، في وقت يتزايد فيه الضغط من منافسين صاعدين كـ OpenAI وAnthropic.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فبعد تردد واتهامات لغوغل بالتباطؤ، جاء تسريع تطوير النموذج اللغوي “جيميني” كرد فعل مباشر على التحديات. الإصدار الأحدث من جيميني، بحسب الشركة، يتفوق على أبرز المنافسين في اختبارات متعددة، لا سيما في مجال البرمجة. في الوقت ذاته، لا تزال غوغل تستفيد من انتشارها الواسع، إذ تسجل أكثر من 8.5 مليار عملية بحث يوميًا، ما يمنحها قاعدة هائلة لاختبار وتطوير ميزاتها الجديدة.
وفي ضوء هذه التحديثات، يبرز بعد جديد في البحث الرقمي: الانتقال من عرض الروابط إلى تقديم إجابات مباشرة وشخصية. هذه النقلة النوعية تغيّر بعمق طريقة تفاعل المستخدم مع المعلومة، وتفرض تحديات تقنية وتجارية، خاصة على نموذج الإعلانات الذي طالما كان محركًا أساسيًا في هذا القطاع.
الباحث والمستشار الأكاديمي أحمد بانافع يرى في هذه الخطوة علامة فارقة في سباق الذكاء الاصطناعي، لما تحمله من تداعيات على وتيرة الابتكار، وتوجه الشركات نحو تقديم تطبيقات ملموسة بدلًا من الاكتفاء بالنماذج النظرية. كما يشير إلى احتمال تراجع فعالية الإعلانات التقليدية، ما سيدفع الشركات لإعادة التفكير في استراتيجيات الربح ضمن بيئة بحث جديدة، أكثر حوارًا وذكاءً.
وهكذا، تدخل محركات البحث عصرًا جديدًا، لا يكتفي فيه المستخدم بالبحث، بل يتحاور، يُستَفهم، ويُفهم.
