رغم أن وتيرة الحياة الحديثة تسير بوتيرة متسارعة وتفرض على الإنسان جداول زمنية مصطنعة، إلا أن الساعة البيولوجية للجسم لا تزال ترفض هذا الانفصال عن إيقاع الطبيعة. هذا ما كشفت عنه دراسة علمية أجريت بجامعة ميتشيغان، إذ أظهرت أن الجسم البشري لا يزال شديد التأثر بتغيرات الضوء الطبيعية على مدار الفصول، سواء طال النهار أو امتد الليل.
الدراسة التي أجريت على آلاف الأطباء المقيمين في المستشفيات – ممن يختبرون اضطرابًا كبيرًا في مواعيد نومهم بسبب المناوبات – أوضحت أن أجسادهم رغم هذا الاضطراب لا تزال تستجيب لتغير الفصول. فقد تبين أن فترات النوم تطول شتاءً وتقصر صيفًا، في نمط موسمي واضح، رغم كل مظاهر التحضر والانفصال عن البيئة الطبيعية.
لكن اللافت في هذه النتائج ليس فقط التأكيد على حساسية الجسم لضوء الشمس، بل اقتراح الباحثين لنموذج جديد لفهم الساعة البيولوجية. حيث تحدثوا عن وجود “ساعتين داخليتين” وليست واحدة: إحداهما تتبع لحظة بزوغ الفجر، والثانية مرتبطة ببداية الغسق، وهما تتفاعلان معًا وتُنسّقان سلوك الجسم وفقًا لطول اليوم.
وقد أظهرت التحاليل الوراثية للمشاركين أن الجينات تلعب دورًا في مدى قدرة الأشخاص على التكيف مع تقلب الضوء الطبيعي، ما يفسر تباين ردود الفعل بين الأفراد تجاه تغير المواسم، خصوصًا من حيث تقلب المزاج واضطرابات النوم.
هذا الفهم الجديد يسلط الضوء على جذور أعمق لاضطرابات مزاجية مثل الاكتئاب الموسمي، ويفتح آفاقًا علمية لإعادة التفكير في كيفية تصميم نمط الحياة والعلاجات المستقبلية، بما يراعي إيقاع الطبيعة الكامن في أجسادنا، مهما حاولنا تجاهله.
