العالم 24 – القاهرة
ألقت الأحداث الدائرة في إثيوبيا بفعل اندلاع حالة القتال بين الجيش والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، بظلالها على أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان ، حيث توقفت المفاوضات بشأن هذه الأزمة منذ عدة شهور، وسط ترقب مصري لما ستؤول إليه الأحداث الدائرة في هذا البلد.
وكانت آخر جولة من المحادثات بين الدول الثلاثة المعنية بالأزمة ، قد عقدت في عاصمة الكونغو الديمقراطية “كينشاسا” خلال أبريل الماضي ، وانتهت دون إحراز أي تقدم يذكر.
غير أن حالة التدهور التي تشهدها الجبهة الداخلية الإثيوبية، لم تثن وزير الطاقة والمياه الإثيوبي هابتامو إيتيفا عن التأكيد في أكثر من مناسبة أن بلاده “ستستمر في عمليات بناء وملء السد المثير للجدل ، جنبا إلى جنب مع قتالها للإرهابيين”، مشيرا إلى أن البناء المنتظم والأعمال المتعلقة بسد النهضة تتقدم بشكل جيد، وأن اكتمال المرحلة الثانية ستتيح توليد 600 إلى 700 ميغاواط من الكهرباء.
وأعاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قضية سد النهضة إلى الواجهة من جديد مؤخرا ، خلال مؤتمر صحفي مشترك بالقاهرة مع رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، حين شدد على موقف القاهرة الثابت بصون أمنها المائي بالتوصل لاتفاق قانوني ملزم حول قواعد ملء هذه المنشأة.
وأشار السيسي إلى أن “مصر تسير في اتجاهين بشكل متواز ، وهما التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم لملء وتشغيل سد النهضة، إلى جانب البحث عن الرعاية الدولية لضمان التزام أطراف الصراع في قضية سد النهضة حاضرا ومستقبلا”. وطالب بـ “ضرورة الابتعاد عن أي نهج أحادي يسعى إلى فرض الأمر الواقع ، وتجاهل الحقوق الأساسية للشعوب، ورؤية مصر لجعل نهر النيل مصدرا للتعاون والتنمية كشريان حياة لكل شعوب دول حوض النيل”.
وبرأي محللين سياسيين، فإن الحكومة الإثيوبية تغطي فشلها في جبهات القتال الداخلية، من خلال استخدام ورقة سد النهضة على أنها “ورقة رابحة” في سياسات أديس أبابا الخارجية، وفي المقابل تلتزم مصر والسودان بمطالبهما الرامية إلى التوصل لاتفاق قانوني وملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة. وفي هذا الصدد، يقول الباحث السياسي المصري محمد كمال، إن السودان ومصر ملتزمتان بالانخراط في مفاوضات سد النهضة؛ سعيا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد. وقال في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن الرفض الإثيوبي للتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن سد النهضة يعد تحديا واضحا للمجتمع الدولي، خاصة في ظل صدور بيان من مجلس الأمن في شتنبر الماضي، والذي دعا صراحة إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني وملزم بأسرع وقت.
أما صلاح حليمة مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، فقال في تصريح مماثل ، إن إثيوبيا لا تمتلك الإرادة السياسية الحقيقية لحل أزمة سد النهضة، خاصة في ظل الأزمات التي تشهدها جبهتها الداخلية، وحالة الحرب الأهلية الدائرة هناك بين الجيش وجبهة تحرير تيغراي.
وانتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، التصريحات الإثيوبية الرافضة للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن السد، معتبرا أن أديس أبابا لا تسعى لحل القضية وتستخدم طريقة ممنهجة في المماطلة والتسويف، ما يمثل تحديا للمجتمع الدولي. وأضاف أن قضية سد النهضة الآن مسؤولية الاتحاد الأفريقي، مطالبا الاتحاد بالتدخل العاجل لإنهاء المفاوضات بأسرع وقت ممكن، والخروج بالأزمة إلى طريق أفضل مما هي عليه الآن.
في المقابل، يرى إبراهيم رجب المحلل السياسي المصري، أن موقف إثيوبيا المماطل والرافض للتوصل إلى اتفاق بشأن سد النهضة سيستمر بالنظر إلى تعامل حكومة آبي أحمد مع قضية السد على أنها “مسألة داخلية”، مستبعدا أن تقدم الحكومة الإثيوبية أي تنازلات بشأن سد النهضة، وسيقتصر الأمر على مفاوضات تدور في دائرة مفرغة، على حد وصفه.
وقال إبراهيم رجب إن الإرادة السياسية متوفرة لدى مصر والسودان للانخراط في مفاوضات بناءة تهدف للتوصل إلى اتفاق م لزم بشأن ملء وتشغيل السد، بعيدا عن أي نهج أحادي، لافتا إلى أن القاهرة ملتزمة بجميع الخيارات الدبلوماسية والسلمية ، للتوصل لحل توافقي لجميع الأطراف خلال فترة زمنية محددة.
وأضاف أن قرار مجلس الأمن الأخير حول سد النهضة ، أظهر تباينا في المواقف الدولية تجاه هذه القضية .
واستعرض عددا من القضايا التي ألقت بظلالها على أزمة سد النهضة، ومنها حالة الحرب الأهلية الجارية في إثيوبيا، وحالة التوتر بين السودان وإثيوبيا على الحدود بينهما، لافتا إلى أن تلك القضايا سيكون لها انعكاس كبير على سير المفاوضات بخصوص سد النهضة.
وقال إن مصر تسعى لاستئناف المفاوضات بموجب إجراءات تحافظ على حقوقها المائية، فيما ترغب الخرطوم في الانخراط في التفاوض بآليات وضوابط محددة لملء وتشغيل السد ، موضحا أن مصر والسودان تتمسكان بالتوصل لاتفاق ملزم، مثلما حدث على مدار الجولات السابقة.
وأشار إلى أن القاهرة انخرطت طيلة عقد كامل ، بإرادة سياسية قوية وحسن نية ، في المفاوضات، في حين لم تكن إثيوبيا على استعداد للتوصل إلى “الاتفاق الملزم” بسبب انتهاجها سياسات التعنت والمماطلة والعرقلة التي قوض ت العملية التفاوضية.
وأكد أن الالتزام بعامل الوقت سيمثل حجر الأساس لأي مساع لحل أزمة السد، وإلا ستكون المفاوضات بلا جدوى، موضحا أن إثيوبيا تبدي شكوكا حول مستقبل المفاوضات في ظل تصريحاتها المتكررة وسلوكها الذي يكشف عن رفض لما توافق عليه الجميع وهو “الاتفاق الملزم”، محذرا من تداعيات تعثر المفاوضات مجددا، على أمن واستقرار المنطقة.
ومنذ 2011، تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا ، للتوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة ، الذي تعول عليه إثيوبيا ليكون أكبر مصدر لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا بقدرة تصل إلى 6500 ميغاوات.
وفي مارس 2015، وق ع قادة مصر والسودان ورئيس وزراء إثيوبيا، في العاصمة السودانية “الخرطوم”، اتفاق إعلان مبادئ بهدف تجاوز الخلافات. وترى إثيوبيا أن السد ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية، في حين تعتبره مصر تهديدا حيويا لها إذ يؤمن لها النيل نحو 97 بالمائة من مواردها المائية. ورغم دعوة مصر والسودان إثيوبيا إلى تأجيل خططها لملء خزان السد حتى التوصل إلى ات فاق شامل، أعلنت أديس أبابا في 21 يوليوز 2020 أنها أنجزت المرحلة الأولى من ملء خزان السد، وفي يوليوز 2021 ، أعلنت تحقيق هدفها للعام الثاني فيما يتعل ق بملء السد، وأن كمية المياه الموجودة كافية لبدء إنتاج الطاقة.
