825.6 مليار درهم في مشروع ميزانية 2027.. أين نصيب النساء والفتيات من الحقوق والموارد والعدالة؟

في ظل سياق وطني يتسم باستمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المعبر عنها في مجموعة من التقارير المؤسساتية الرسمية والجمعوية ، واتساع الفوارق الترابية والاجتماعية، وتفاقم أشكال التمييز والإقصاء التي تطال النساء والفتيات، تقدم الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب قراءتها لمشروع قانون المالية لسنة 2027، انطلاقا من ضرورة مساءلة الاختيارات المالية للدولة حول مدى استجابتها لمتطلبات المساواة الفعلية، وإعمال الحقوق الإنسانية للنساء، وضمان توزيع منصف للثروة والموارد العمومية.

إن الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب ، وهي تستحضر اللحظة التاريخية المتمثلة في تعيين أول امرأة رئيسة للحكومة ، تؤكد أن هذا الحدث هو إعمال للمبدأ الدستوري للمساواة المنصوص عليه في الفصل 19 ، وثمرة نضال الحركة النسائية لأربعة عقود ، غير أن قيمته الديمقراطية الحقيقية لن تقاس برمزية المنصب ، بل بمدى ترجمته إلى سياسات وخيارات مالية ضامنة للمساواة الفعلية وملزمة للعدالة الاجتماعية والترابية في أول قانون للمالية بعد الانتخابات التشريعية لشتنبر 2027.

ويكتسي مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة باعتباره أول اختبار مالي لتنزيل التوجهات المعلنة في البرنامج الحكومي 2026-2031، وفرصة لترجمة الالتزامات المتعلقة بالحقوق والمساواة والعدالة الاجتماعية إلى سياسات عمومية ممولة، ذات أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس والتتبع والتقييم.

إن الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، وهي تتفاعل مع الوثائق المرافقة للمشروع، وخاصة تقرير الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع، والتقرير الاقتصادي والمالي، وتقرير الدين العمومي، وتقرير الحسابات الخصوصية للخزينة، وتقرير النفقات الجبائية، تعتبر أن تقييم الميزانية لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الاعتمادات المرصودة أو نسب الزيادة في القطاعات الاجتماعية، بل يجب أن ينصب على طبيعة الاختيارات الاقتصادية والمالية، وعلى أثرها الفعلي على حياة النساء والفتيات، وعلى قدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية التي تحول دون مشاركتهن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

يبلغ الحجم الإجمالي لتحملات الدولة المعلنة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 حوالي 825.6 مليار درهم، فيما يصل حجم الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم، منها 251 مليار درهم للمؤسسات والمقاولات العمومية، و124 مليار درهم لميزانية الدولة والحسابات الخصوصية للخزينة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، و25 مليار درهم للجماعات الترابية.، وتبرز هذه الأرقام حجم الموارد المالية التي تعبئها الدولة، لكنها تطرح في المقابل سؤالا جوهريا: إلى أي حد تعكس هذه الاستثمارات أولويات المساواة والعدالة الاجتماعية والمجالية؟ وما نصيب النساء والفتيات من هذه الثروة العمومية؟

وعليه تعتبر الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب أن قياس نجاعة الاستثمار العمومي لا يمكن أن ينفصل عن قياس أثره على تقليص الفوارق بين النساء والرجال، والقضاء على التمييز في القوانين ، وضمان الحماية الاجتماعية اللازمة ، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، وخلق فرص الشغل اللائق، وتوفير البنيات التحتية الاجتماعية، خاصة في العالم القروي والمناطق الجبلية وفي الواحات والأحياء الهامشية.

تظل المشاركة الاقتصادية للنساء إحدى أبرز مؤشرات الاختلال في النموذج التنموي والسياسات العمومية، فبالرغم من الالتزامات المعلنة برفع معدل نشاط النساء إلى 30% في أفق 2026، وإلى 45% في أفق 2035، وفق أهداف النموذج التنموي الجديد، ما زالت المؤشرات الرسمية تعكس ضعفا بنيويا في مشاركة النساء في سوق الشغل ، إذ تظل نسبة نشاط النساء لاتتعدى 19,1 % ، كما أن المؤشر المعلن عنه في مشروع قانون المالية والمتمثل في بلوغ 21,1 % يعد طموحا ضعيفا ولايرقى إلى انتظارات النساء.

كما تسجل الجمعية أنه رغم أهمية الاعتمادات المعلنة لقطاعي الصحة والحماية الاجتماعية، والتعليم والتكوين، والتي تبلغ على التوالي 45.4 مليار درهم و121.3 مليار درهم وفق المعطيات الإجمالية الواردة في مشروع المالية ، إلا أن ارتفاع هذه الاعتمادات لا يكفي وحده لإثبات تحسن أوضاع النساء والفتيات، ما لم يقترن بتحديد الفئات المستفيدة، والمجالات الترابية المستهدفة، وجودة الخدمات المقدمة، ومؤشرات تقيس أثر الإنفاق العمومي.

إن ورش مراجعة مدونة الأسرة لا يمكن اختزاله في تعديل النصوص القانونية، بل يستدعي تعبئة موارد مالية ومؤسساتية وبشرية لضمان تنزيل الإصلاحات وتحقيق آثارها الفعلية على حياة النساء والفتيات. وفي هذا السياق، تثير المعطيات والمؤشرات المرتبطة بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للنساء، كما تبرزها وثائق النوع، ضرورة ربط الإصلاح القانوني وخاصة مدونة الأسرة والقانون الجنائي بالسياسات المالية والاجتماعية التي تضمن استقلالية النساء الاقتصادية، وتقاسم المسؤوليات الأسرية، والحماية من التمييز والعنف.

إن قراءة مشروع قانون المالية لا تكتمل دون تحليل كلفة الدين العمومي وانعكاساتها على الحيز المالي المتاح لتمويل الحقوق والخدمات الأساسية. وتشير معطيات مشروع قانون المالية إلى أن فوائد وعمولات الدين العمومي تبلغ حوالي 45.9 مليار درهم، فيما يصل مجموع خدمة الدين، بإضافة تسديد أصل الدين متوسط وطويل الأمد، إلى حوالي 115.3 مليار درهم. وتعتبر الجمعية أن هذه المعطيات تطرح ضرورة إخضاع سياسة المديونية لتقييم اجتماعي ومنظور للنوع، بما يسمح بمعرفة أثر اختيارات التمويل وتكاليفها على الإنفاق الاجتماعي والاستثمارات الموجهة للنساء والفتيات.

تؤكد الجمعية أن المساواة الفعلية لا تتحقق فقط من خلال الإنفاق الاجتماعي، بل تقتضي أيضا إصلاحا جبائيا منصفا يضمن توزيعا عادلا للأعباء والموارد. وفي هذا الإطار، تكتسي دراسة النفقات الجبائية أهمية خاصة، باعتبارها موارد تتخلى عنها الدولة من خلال الإعفاءات والتحفيزات والتسهيلات الضريبية، لذا ، يجب إخضاع هذه النفقات لتقييم منتظم من منظور النوع الاجتماعي، للكشف عن المستفيدين الفعليين منها، ومدى مساهمتها في خلق فرص الشغل اللائق للنساء، وتحسين أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية.

إن تقييم الميزانية القائمة على المساواة لا ينبغي أن يقتصر على الميزانية العامة للدولة، بل يجب أن يشمل الحسابات الخصوصية للخزينة، ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، والمؤسسات والمقاولات العمومية، باعتبارها مكونات أساسية في تعبئة الموارد وتنفيذ السياسات العمومية.

لذلك، تطالب الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب بأن يتضمن مشروع المالية 2027 إجراءات عملية، من بينها:

وضع هدف سنوي يبدأ بالثلث لرفع معدل نشاط النساء، مع تحديد مساهمة كل قطاع حكومي في تحقيقه؛

تخصيص ثلث الاعتمادات المرصودة للتشغيل والتكوين لصالح النساء، وخاصة الشابات والنساء في العالم القروي والجبال والنساء في وضعية إعاقة؛

تخصيص 30 % من اعتمادات صندوق دعم المقاولة لفائدة المقاولة النسائية الصغيرة والمتوسطة مع تبسيط الضمانات وشروط الاستفادة ؛

تطوير برامج الإدماج الاقتصادي للنساء العاملات في القطاع غير المهيكل والقطاع الفلاحي والنسيج والألبسة والعاملات المنزليات … مع تخصيص 4 مليار درهم إضافية لتعميم الحماية الاجتماعية ؛

 

 

اعتماد سطر ميزانياتي خاص باقتصاد الرعاية مع تفعيل قانون مهن الرعاية ، وتخصيص اعتمادات واضحة لتطوير خدمات رعاية الطفولة المبكرة والحضانات (1000 حضانة ) و إحداث دور للمسنات والمسنين (500 دار ) …

اعتماد حسابات ومؤشرات إحصائية لتقدير مساهمة اقتصاد الرعاية في الثروة الوطنية، وتقييم أثر السياسات العمومية على إعادة توزيع مسؤوليات الرعاية بين النساء والرجال والدولة والمجتمع مع نشر حساب وطني سنوي لمساهمة اقتصاد الرعاية في الناتج الداخلي الخام،

رفع نسبة النساء المستفيدات من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وصحة الأمهات إلى 80%، وضمان الولوج المنصف إلى الخدمات الصحية الأساسية.

تقليص الفوارق في الولوج إلى العلاج بين المدن والقرى والمناطق الجبلية من خلال تقييم الخريطة الصحية سنويا.

رصد 15 في المائة من ميزانية وزارة التربية الوطنية لمراجعة المنهج والبرامج وتنقية الكتب المدرسية من الصور النمطية وتكوين الأطر التربوية.

ضمان استمرار الفتيات في التعليم، والحد من الهدر المدرسي بنسبة 15 في المائة ، وخاصة في الوسط القروي، مع منع تزويج الطفلات.

توسيع النقل المدرسي والإيواء والمطاعم المدرسية وخدمات التعليم الأولي من أجل بلوغ نسبة 60 في المائة؛

تمويل برامج التحسيس والتوعية بالحقوق والمقتضيات القانونية الجديد خاصة بعد الاصلاح التام والجذري لمدونة الأسرة من خلال تنظيم 74 حملة سنوية؛

تعزيز مؤسسات وآليات الوساطة والحماية والولوج إلى العدالة من خلال عدد التوظيفات ونسب الاستفادة وعدد المؤسسات المعنية ؛

تطوير خدمات نفسية واجتماعية ومؤسساتية لمواكبة النساء في وضعيات الهشاشة والعنف والتمييز.

تفعيل صندوق خاص بالمناصفة ، وإحداث الهيئة العليا للمناصفة ومناهضة جميع أشكال التمييز بعد مراجعة قانونها ةتمتيعها بصلاحيات شبه قضائية؛

وضع مؤشرات سنوية لقياس أثر الإصلاح على الاستقلالية الاقتصادية للنساء، وتقاسم المسؤوليات الأسرية، والحد من التمييز والعنف.

دعم الجمعيات النسائية والحقوقية واعتبارها شريك استراتيجي في تفعيل المساواة وتتبع أثر الميزانية على الحياة اليومية؛

إدماج تحليل أثر الدين العمومي على المساواة بين النساء والرجال ضمن التقارير المالية السنوية.

نشر مؤشرات توضح أثر الاقتراض العمومي على الاستثمار الاجتماعي والترابي.

ضمان عدم المساس بالحقوق والخدمات الأساسية عند اتخاذ تدابير ترشيد النفقات.

تعزيز شفافية تدبير المديونية وربطها بأهداف التنمية المستدامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

مراجعة الإعفاءات والتحفيزات الجبائية وفق معايير المساواة والعدالة والفعالية الاجتماعية.

تقييم أثر السياسة الضريبية على النساء ذوات الدخل المحدود والنساء العاملات والنساء المعيلات للأسر مع تخفيف العبء الضريبي على الأجراء والأجيرات ذوي الدخل المحدود.

ربط التحفيزات الجبائية للمقاولات بالتزامات قابلة للقياس في مجال التشغيل النسائي والمساواة في الأجور وظروف العمل.

تعزيز الشفافية في توزيع الموارد العمومية ومساءلة المستفيدين من الامتيازات الجبائية.

تحديد البرامج والاعتمادات التي تساهم في تحسين أوضاع النساء والفتيات.

نشر معطيات حول المستفيدات والمستفيدين من تدخلات الحسابات الخصوصية.

تقييم الأثر الاجتماعي والمجالي للمشاريع الممولة عبر هذه الحسابات.

إدماج مؤشرات المساواة في تقارير أداء المؤسسات والمقاولات العمومية.

تعزيز آليات المراقبة والتتبع والتقييم والمساءلة بشأن تنفيذ الاعتمادات.

شاهد أيضا