مسودة أمريكية تقلب موازين ملف الصحراء المغربية.. الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية حلا وحيدا وتوجه لإنهاء مهام المينورسو

العالم24

 

تدخل قضية الصحراء المغربية منعطفاً دبلوماسياً بالغ الأهمية، مع بروز مسودة أمريكية جديدة لمشروع قرار بمجلس الأمن الدولي، مؤرخة في 20 أكتوبر 2026، تحمل تحولات جوهرية في مقاربة النزاع الإقليمي، وتضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية في صدارة الحلول المطروحة، بالتزامن مع توجه لإعادة صياغة دور بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، بما قد يؤشر على بداية مرحلة جديدة في مسار التسوية السياسية.

وتكشف مضامين المسودة الأولية عن تحول لافت في اللغة الدبلوماسية المعتمدة داخل مجلس الأمن، إذ لم تعد الصياغة المقترحة تكتفي باعتبار الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات أو حلاً أكثر قابلية للتحقيق، بل تذهب إلى التأكيد على أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل الحل الوحيد القابل للتطبيق، وهي صياغة، في حال اعتمادها، من شأنها أن تشكل مكسباً سياسياً ودبلوماسياً بالغ الأهمية للمملكة.

ويأتي هذا التوجه امتداداً للمكتسبات التي حققها المغرب عقب اعتماد القرار الأممي رقم 2797 سنة 2025، والذي منح المبادرة المغربية للحكم الذاتي مكانة متقدمة ضمن الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية للنزاع، غير أن المشروع الأمريكي الجديد يتجاوز ذلك من خلال اقتراح جعل المبادرة المغربية الموسعة والمحدثة الإطار الوحيد للتفاوض، بما يعكس توجهاً نحو الانتقال من تعدد التصورات المطروحة إلى التركيز على حل سياسي محدد المعالم.

وتتضمن المسودة كذلك إشارة واضحة إلى تزايد عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء، في تطور يعكس اتساع دائرة الدعم الدولي للموقف المغربي، ويعزز الدينامية الدبلوماسية التي تقودها المملكة دفاعاً عن وحدتها الترابية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها التعاطي الدولي مع هذا الملف.

ومن بين أبرز مستجدات الوثيقة الأمريكية، إبراز مشاركة الجزائر بشكل مباشر في المفاوضات إلى جانب المغرب وجبهة البوليساريو وموريتانيا، مع التنويه بالجهود التي بذلتها الولايات المتحدة الأمريكية والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، لتيسير جولات من المحادثات المباشرة في واشنطن ومدريد.

وتكتسي هذه الإشارة دلالة سياسية مهمة، بالنظر إلى أنها تضع الجزائر ضمن المشاركين المباشرين في العملية التفاوضية، وتجعل انخراطها البناء في جهود التسوية عنصراً أساسياً في إنجاح المسار السياسي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييراً رسمياً في التوصيف القانوني لأدوار الأطراف المعنية.

كما تتضمن المسودة دعوة صريحة إلى التعاون الكامل مع الميسرين، والانخراط بفعالية في المفاوضات على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، مع التلويح بإمكانية النظر في تدابير إضافية في حال فشل الأطراف في المشاركة البناءة، وهو ما يعكس توجهاً أمريكياً نحو ممارسة ضغوط دبلوماسية أكبر لإنهاء حالة الجمود التي طبعت النزاع لعقود.

وفي تحول قد يكون من أبرز ما تحمله الوثيقة، تقترح الولايات المتحدة تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء، المعروفة بالمينورسو، إلى بعثة الأمم المتحدة للصحراء، مع حذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسميتها، وإنهاء مهام حفظ السلام بتاريخ 30 أبريل 2027، على أن تواصل عملها ابتداءً من فاتح ماي من السنة نفسها باعتبارها بعثة سياسية خاصة، إلى غاية 31 أكتوبر 2027.

ولا تقف المقترحات عند حدود تغيير التسمية وطبيعة المهام، بل تشمل أيضاً تقليص عدد الأفراد النظاميين المصرح بهم بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، إلى جانب إغلاق بعض المواقع الميدانية ودمجها، وإعداد تصور جديد لهيكلة البعثة ومواردها واختصاصاتها.

ويحمل هذا التوجه دلالات سياسية عميقة، بالنظر إلى أن بعثة المينورسو أُحدثت سنة 1991 في سياق دولي مختلف، بينما تتجه المقاربة الأمريكية الجديدة نحو إعطاء الأولوية لتسوية سياسية قائمة على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، عوض الاستمرار في إدارة النزاع بالآليات ذاتها التي لم تفض إلى تسويته طيلة العقود الماضية.

ومع ذلك، فإن تغيير اسم البعثة أو طبيعة مهامها، إذا جرى اعتماده، لا يعني بمفرده إلغاء المرجعيات القانونية السابقة، لكنه سيشكل تحولاً رمزياً ومؤسساتياً مهماً في طريقة تعامل الأمم المتحدة مع القضية.

وتفتح المسودة أيضاً ملف التمثيلية الصحراوية، من خلال مطالبة المبعوث الشخصي للأمين العام بإجراء مشاورات واسعة مع مختلف الفئات والجهات الصحراوية المعنية، بما فيها الموجودة خارج الأطراف المتفاوضة، سواء داخل الأقاليم الجنوبية أو في مخيمات تندوف أو ضمن الجالية المقيمة بالخارج، في خطوة من شأنها توسيع دائرة الأصوات المشاركة في النقاش حول مستقبل المنطقة.

وفي الجانب الإنساني، تدعو الوثيقة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استكمال تسجيل اللاجئين بمخيمات تندوف خلال ستة أشهر، وفقاً للقانون الدولي والمعايير المعتمدة، مع ضمان حرية الوصول والتنقل دون عوائق، بما يسمح بتحديد المعطيات المتعلقة بالساكنة المعنية وتقييم الحلول الدائمة والطوعية الكفيلة بوضع حد لمعاناة إنسانية امتدت لعقود.

ويبرز في خلفية هذه التحولات الحضور الأمريكي المتزايد في جهود التسوية، حيث تشيد المسودة بقيادة الرئيس دونالد ترامب للمساعي الرامية إلى إنهاء النزاع المفتعل، وتؤكد أهمية انخراط الأطراف دون تأخير في مفاوضات تستند إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي، بما يعكس رغبة واشنطن في الدفع نحو نتائج سياسية ملموسة.

غير أن هذه التوجهات، رغم أهميتها، تظل مضامين لمسودة أولية لم تتحول بعد إلى قرار معتمد، وتبقى قابلة للتعديل خلال المشاورات بين أعضاء مجلس الأمن، خصوصاً في ما يتعلق بالصياغات الحاسمة بشأن الحكم الذاتي، ومستقبل المينورسو، وآليات تنزيل التسوية السياسية في إطار مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

وبالنسبة للمغرب، فإن أهمية هذه المرحلة لا تنحصر في طبيعة النص الأمريكي المطروح، بل تمتد إلى ما يعكسه من تحول تدريجي في موازين الدعم الدبلوماسي، ومن تزايد القناعة الدولية بضرورة الانتقال من تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية واقعية ومستدامة، تحفظ الاستقرار الإقليمي وتفتح آفاقاً جديدة للتنمية والتعاون.

وفي انتظار ما ستسفر عنه المشاورات داخل مجلس الأمن، تبدو المملكة أمام فرصة دبلوماسية مهمة لترسيخ المكاسب التي راكمتها خلال السنوات الماضية، وتعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها المدخل الأساسي لإنهاء النزاع، في ظل قيادة ملكية جعلت الدفاع عن الوحدة الترابية أولوية ثابتة في السياسة الخارجية المغربية.

وإذا نجحت الولايات المتحدة في تمرير التوجهات الأساسية لهذه المسودة، فإن الأمر قد يتجاوز مجرد اعتماد قرار أممي جديد، ليؤشر على انتقال تاريخي في معالجة قضية الصحراء المغربية، من مرحلة طويلة طبعتها إدارة النزاع وتعثر الحلول، إلى مرحلة يصبح فيها الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محور العملية السياسية برمتها.

وهكذا، فإن الرهان المقبل لا يتعلق فقط بما سيحمله القرار النهائي لمجلس الأمن، بل بمدى قدرته على فتح الطريق أمام تسوية تطوي صفحة نزاع استنزف المنطقة لعقود، وتؤسس لمستقبل يقوم على الاستقرار والتنمية والتكامل المغاربي، في إطار يحفظ السيادة المغربية ويستجيب لتطلعات السكان إلى الأمن والكرامة والازدهار.

 

 

 

شاهد أيضا