سبتة ومليلية المحتـ.ـلتين: البركان الذي لم يخمد.. كيف أعاد تصريح نبيلة منيب أمام كاميرا “العالم24” إشعال الجدل السياسي في إسبانيا؟

بين تاريخ احتلال لم تطوه القرون، وجغرافيا لا تقبل إعادة الرسم، وزيارة ملكية إسبانية مثقلة برسائل السيادة، وانتخابات تقترب على وقع الاستقطاب، لم يكن تصريح نبيلة منيب سوى الشرارة التي كشفت عن قضية ظلت تتفاعل طويلاً تحت رماد الدبلوماسية المغربية الإسبانية.

لم تكن الكلمات التي أدلت بها النائبة البرلمانية نبيلة منيب أمام كاميرا جريدة «العالم24»، بشأن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، مجرد تصريح سياسي عابر أُضيف إلى أرشيف المواقف المغربية من قضية تاريخية شائكة. فقد تحولت، في ظرف وجيز، إلى مادة للنقاش داخل وسائل إعلام إسبانية، أعادت من خلالها الصحافة في الجارة الشمالية فتح ملف تتداخل فيه السيادة بالتاريخ، والسياسة بالاقتصاد، والذاكرة الاستعمارية بحسابات الحاضر.

غير أن اختزال هذا التفاعل في كلمات منيب وحدها سيكون قراءة ناقصة لمشهد أكثر تعقيداً. فالتصريح لم يصنع الأزمة، ولم يخلق الخلاف من العدم، بقدر ما وضع الإصبع على جرح تاريخي لم يلتئم، وأعاد إلى الواجهة أسئلة حاولت الدبلوماسية، خلال مراحل متعددة، إبقاءها خارج مساحات التوتر المباشر.

والواقع أن سبتة ومليلية ليستا، في الوعي الوطني المغربي، مجرد مدينتين تقعان على الضفة الجنوبية للمتوسط، ولا مجرد نقطتين حدوديتين تجمعهما بالمغرب علاقات تجارية واجتماعية. إنهما مدينتان مغربيتان يعتبر المغاربة استمرار خضوعهما للسيطرة الإسبانية وضعاً احتلالياً موروثاً عن مراحل تاريخية من التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا.

وهذا التصور لا يولد مع كل تصريح سياسي، ولا ينتهي مع كل مرحلة من التقارب الدبلوماسي. إنه جزء من الذاكرة التاريخية المغربية ومن تصور واسع للسيادة والوحدة الترابية، وإن كانت إسبانيا تتمسك، في المقابل، بموقف قانوني وسياسي مختلف، وترفض بصورة قاطعة التشكيك في سيادتها الحالية على المدينتين.

ومن هنا، فإن القراءة المغربية لهذا الملف لا يمكن أن تنطلق من افتراض أن الوضع القائم قد حسم كل الأسئلة، كما لا يمكن لتحليل جاد أن يتجاهل حقيقة الإدارة الإسبانية المستمرة ومواقف سكان المدينتين.

إنه، بتعبير أدق، بركان سياسي لم تنطفئ حرارته يوماً، وإنما ظلت تضبط إيقاعه حسابات المصالح المشتركة، إلى أن تلاحقت خلال الأسابيع الأخيرة أحداث أعادت الأسئلة القديمة إلى واجهة النقاش.

من تصريح أمام «العالم24» إلى جدل سياسي داخل إسبانيا

في 15 أكتوبر 2026، أعادت صحيفة «El Faro de Ceuta» الإسبانية تناول تصريحات نبيلة منيب، مشيرة صراحة إلى جريدة «العالم24» باعتبارها الوسيلة الإعلامية المغربية التي وثقت التصريح، والذي انتشرت مضامينه كذلك عبر ترجمة متداولة باللغة الإسبانية.

كما خصص موقع «Infobae» الإسباني مادة صحفية للموقف الذي عبّرت عنه النائبة المغربية، مسلطاً الضوء على تأكيدها مغربية سبتة ومليلية، وعلى دعوتها إلى اختيار التوقيت السياسي المناسب لفتح حوار مع إسبانيا بشأن استرجاع المدينتين والجزر الجعفرية.

لكن اللافت في تصريح منيب لم يكن فقط تمسكها بالموقف المغربي، بل ربطها بين الدفاع عن الحقوق التاريخية وضرورة تقوية المؤسسات الوطنية، وتعزيز دولة القانون، والإصلاح السياسي، باعتبار ذلك جزءاً من بناء القوة الداخلية التي تمنح الدولة وزناً ومصداقية في علاقاتها الدولية.

وهنا تكمن نقطة أساسية لم تحظَ بالاهتمام نفسه في بعض التغطيات الإسبانية التي ركزت على العبارات الأكثر إثارة.

فمنيب لم تدعُ إلى حرب مع إسبانيا، ولم تعلن عن قرار رسمي بفتح مفاوضات وشيكة، وإنما تحدثت عن الدفاع عن الموقف المغربي بذكاء سياسي، مع تجنب المواجهة العسكرية التي قد تضر بمصالح البلدين.

كما أن تصريحاتها، رغم صدورها عن نائبة برلمانية، لا تمثل إعلاناً رسمياً باسم الدولة المغربية، ولا يجوز تقديمها باعتبارها قراراً اتخذته الرباط. غير أن هذا التمييز لا يلغي الدلالة السياسية لما حدث.

فحين تنتقل تصريحات صادرة أمام كاميرا مؤسسة إعلامية مغربية إلى الصحافة الإسبانية، وتصبح موضوعاً للتداول والتفسير والردود، فإن الأمر يتجاوز حدود الخبر إلى ما يمكن وصفه بصراع الروايات حول التاريخ والسيادة.

لقد كانت «العالم24» حاضرة في أصل الواقعة الإعلامية التي أثارت هذا النقاش، لكن أهمية ما جرى لا تقاس فقط بانتقال المادة الصحفية عبر الحدود، بل بما كشفه ذلك الانتقال من حساسية إسبانية تجاه كل عودة مغربية إلى الحديث عن سبتة ومليلية.

وهو ما يطرح السؤال الأهم: لماذا يثير مجرد استحضار مغربية المدينتين كل هذا الاهتمام داخل إسبانيا، إذا كانت مدريد تعتبر القضية محسومة وغير قابلة للنقاش؟

سبتة ومليلية.. مغربية الأرض بين الذاكرة التاريخية وواقع الاحتلال

قبل الخوض في الحسابات السياسية الراهنة، لا بد من التوقف عند حقيقة أساسية في المقاربة المغربية لهذا الملف: سبتة ومليلية تقعان جغرافياً داخل المجال الإفريقي، وفي اتصال مباشر بالتراب المغربي، وتحملان تاريخاً طويلاً ارتبط بحضارات وممالك وسلطات تعاقبت على المنطقة.

فالعودة إلى التاريخ تكشف أن سبتة خضعت للاحتلال البرتغالي سنة 1415، قبل انتقال السيطرة عليها إلى التاج الإسباني خلال القرن السابع عشر، فيما استولت قشتالة على مليلية سنة 1497.

وهذه الوقائع ليست مجرد تفاصيل زمنية، بل محطات أساسية لفهم الكيفية التي تشكل بها الوجود الأوروبي على الساحل المغربي للمتوسط، في مرحلة اتسمت بالتوسع العسكري والبحري والتنافس على الموانئ والمواقع الاستراتيجية.

صحيح أن إسبانيا تستند إلى قرون من الإدارة المتواصلة للمدينتين، وتعتبرهما جزءاً من وحدتها الترابية ومؤسساتها الدستورية، لكن طول مدة السيطرة لا ينهي، من المنظور المغربي، السؤال التاريخي بشأن منشأ هذه السيطرة ومدى مشروعيتها.

فالتاريخ لا يبدأ من اللحظة التي استقرت فيها سلطة أجنبية على أرض معينة، كما أن السيادة لا يمكن اختزالها في وجود إدارة قائمة، دون العودة إلى السياقات التي أفرزت ذلك الوجود.

ومن هذا المنطلق، فإن وصف سبتة ومليلية بالمدينتين المغربيتين المحتلتين ليس في الخطاب الوطني المغربي تعبيراً عاطفياً طارئاً، بل موقفاً ذا جذور تاريخية وسياسية.

ومع ذلك، فإن قوة هذا الموقف لا تعفي من التمييز بين المطالبة المغربية بالسيادة وبين الوضع القانوني والدبلوماسي القائم، الذي تتمسك فيه إسبانيا بالسيادة على المدينتين، دون وجود اتفاق بين الدولتين على تسوية هذا الخلاف.

وهذا التمييز لا يضعف الدفاع عن الموقف المغربي، بل يمنحه المصداقية اللازمة أمام المؤسسات والباحثين والرأي العام الدولي.

فالقضية التي تستند إلى التاريخ لا تحتاج إلى تجاهل الحاضر، وإنما إلى قراءة الحاضر في ضوء التاريخ.

مفارقة الجغرافيا.. كيف توجد حدود أوروبية برية داخل إفريقيا؟

لعل واحدة من أكثر المفارقات إثارة للتأمل في قضية سبتة ومليلية هي تلك المرتبطة بالجغرافيا نفسها.

فالمغرب بلد إفريقي، وإسبانيا دولة أوروبية يقع إقليمها الرئيسي في شبه الجزيرة الإيبيرية، ويفصل مضيق جبل طارق بين الكتلتين القاريتين.

وبالمعنى الجغرافي الطبيعي، ليست هناك حدود برية بين القارة الأوروبية والقارة الإفريقية.

ومع ذلك، تقدم مدريد سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً من التراب الإسباني والأوروبي، وتتعامل مع نقاط التماس القائمة حولهما بوصفها حدوداً برية لإسبانيا والاتحاد الأوروبي مع المغرب.

وهنا ينبغي التدقيق: توجد بالفعل حدود سياسية وإدارية ومعابر برية قائمة بين المغرب والمدينتين الخاضعتين للإدارة الإسبانية. لكن وجودها لا يغير الحقيقة الجغرافية المتمثلة في أن المدينتين تقعان في شمال القارة الإفريقية، ولا يلغي الخلاف المغربي الإسباني بشأن السيادة عليهما.

بل إن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز نفسه استحضر، في شتنبر الماضي، خصوصية سبتة ومليلية باعتبارهما الحدود البرية الأوروبية الموجودة على القارة الإفريقية.

وهذا الإقرار بالجغرافيا لا يعني اعترافاً إسبانياً بالسيادة المغربية، لكنه يؤكد الطبيعة الاستثنائية لهذه الوضعية.

ومن زاوية مغربية، يطرح ذلك سؤالاً تاريخياً وسياسياً مشروعاً: كيف استمرت جيوب ترابية خاضعة لدولة أوروبية داخل المجال الجغرافي المغربي، في وقت انتهت فيه أنماط عديدة من السيطرة الاستعمارية المباشرة على أراضي إفريقيا؟

الجواب لا يمكن اختزاله في الخرائط وحدها، لأن الجغرافيا لا تصدر أحكاماً قانونية بالسيادة، لكنها تكشف السياق الذي نشأت فيه الحدود، وتدفع إلى مساءلة التاريخ الذي أنتجها.

ولذلك، فإن الاستناد إلى الموقع الجغرافي للمدينتين يجب أن يتكامل مع الحجة التاريخية والمقاربة القانونية والعمل الدبلوماسي، بدل تقديم الجغرافيا وحدها باعتبارها حكماً نهائياً في النزاع.

فالمفارقة الحقيقية ليست أن إسبانيا تملك حدوداً برية فعلية في إفريقيا؛ فهذا واقع إداري قائم. المفارقة أن هذا الواقع نفسه نشأ عن تاريخ من التوسع الأوروبي على الساحل المغربي، وما زال موضوع خلاف سيادي لم يجد تسوية متفقاً عليها.

جبل طارق.. حين تستعيد إسبانيا خطاب إنهاء الاستعمار

وتزداد هذه المفارقة إثارة عندما يُستحضر موقف مدريد من قضية جبل طارق، الخاضع للسيادة البريطانية والذي تعتبره إسبانيا قضية استعمارية لم تُسوَّ بعد.

فوزارة الخارجية الإسبانية تؤكد، في عرضها الرسمي لهذا الملف، أن جبل طارق مدرج ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتطالب بريطانيا بالتفاوض بشأنه، مستندة إلى مبدأ الوحدة الترابية الإسبانية.

بل إن مدريد لا تعترف بالسياج القائم عند برزخ جبل طارق بوصفه حدوداً سيادية مشروعة في تصورها القانوني.

وفي المقابل، ترفض إسبانيا فتح نقاش مماثل حول سيادتها على سبتة ومليلية، وتعتبرهما مدينتين إسبانيتين كاملتي الاندماج في النظام الدستوري للدولة.

وبالطبع، فإن الحالتين ليستا متماثلتين قانونياً؛ فجبل طارق يندرج ضمن مسار أممي محدد لإنهاء الاستعمار، بينما لا تتمتع سبتة ومليلية بالتصنيف الدولي نفسه.

لكن اختلاف الوضع القانوني لا يلغي مشروعية التساؤل السياسي بشأن الطريقة التي تستخدم بها الدول التاريخ والوحدة الترابية وحقوق السكان للدفاع عن مواقفها.

فإذا كانت مدريد تعتبر أن مرور القرون لا يسقط مطالبتها بجبل طارق، فمن الطبيعي أن يفهم القارئ الإسباني لماذا لا يرى المغربي في مرور القرون سبباً كافياً لإغلاق النقاش التاريخي حول سبتة ومليلية.

إنها مقارنة لا تهدف إلى الادعاء بأن الملفين متطابقان، وإنما إلى إظهار أن قضايا السيادة التاريخية لا تختفي بمجرد استقرار الأوضاع السياسية.

 

لم تبدأ القصة مع منيب.. فالجدل كان مشتعلاً قبلها لفهم ما حدث في أكتوبر، ينبغي العودة بضعة أسابيع إلى الوراء.

ففي 19 شتنبر 2026، نشر الكاتب المغربي الطاهر بن جلون مقالاً بصحيفة «El País» الإسبانية تحت عنوان يدعو إلى تجاوز الأزمة بين المغرب وإسبانيا، تناول فيه العلاقات الثنائية وخلفيات التوتر الذي أعقب أزمة الهجرة.

وأثار المقال سجالاً داخل الصحيفة، بلغ حد تدخل رئيسي الحكومتين المحليتين في سبتة ومليلية، خوان خيسوس بيباس وخوان خوسيه إمبرودا، اللذين نشرا رداً يوم 22 شتنبر بعنوان يؤكد انتماء المدينتين إلى إسبانيا.

وقد رفض المسؤولان الإسبانيان التشكيك في سيادة بلادهما على المدينتين، أو التعامل معهما بوصفهما أراضي تنتظر إنهاء الاستعمار.

ثم دخلت أصوات إعلامية وأكاديمية أخرى على خط النقاش، بعضها دافع عن الموقف الإسباني، وبعضها تناول الاختلالات في العلاقة مع المغرب، وبعضها دعا إلى مقاربات أكثر واقعية لمستقبل العلاقات الحدودية.

وهكذا، فإن تصريحات منيب لم تكن البداية الفعلية للجدل، وإنما جاءت في سياق كانت فيه الأسئلة المتعلقة بالسيادة والهجرة والمصالح الاستراتيجية قد استعادت حضورها في النقاش العمومي الإسباني.

وهنا تظهر دلالة مهمة: إن القضايا التاريخية لا تحتاج دائماً إلى حدث جديد كي تعود إلى الواجهة؛ أحياناً تكفي واقعة إعلامية واحدة لكي تكشف حجم التوتر الذي تراكم حولها.

فالتصريح لم يملأ كأس الأزمة، بل كشف أن الكأس كان ممتلئاً قبل أن تصل إليه الكلمات.

زيارة الملك الإسباني.. حين تتحول الرمزية إلى رسالة سيادية

في 13 أكتوبر 2026، حل الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا بمدينة سبتة، قبل الانتقال إلى مليلية يوم 14 أكتوبر، في أول زيارة من نوعها لملك إسباني إلى المدينتين منذ سنة 2007.

وقد جاءت الزيارة في سياق استثنائي، بعد أزمة الهجرة الدامية التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز، وما أعقبها من نقاشات سياسية وأمنية حادة داخل إسبانيا.

ولم تكن الزيارة مجرد نشاط بروتوكولي للملك الإسباني، بل حملت رسائل سياسية واضحة تتعلق بالسيادة والوحدة الترابية، وبالدور الذي تريد مدريد أن تؤديه مؤسساتها الملكية والحكومية في طمأنة سكان المدينتين.

وخلال زيارته لمليلية، شدد الملك الإسباني على ارتباط المدينتين بإسبانيا وأوروبا، ودعا إلى علاقات مع المغرب تقوم على الثقة وحسن النية والتعاون.

لكن استحضار تجربة سنة 2007 يكشف اختلافاً لافتاً في إدارة الرباط لهذا النوع من التحركات.

فحين زار الملك خوان كارلوس سبتة ومليلية في نونبر 2007، احتج المغرب رسمياً، واستدعى سفيره من مدريد للتشاور، واعتبر الزيارة خطوة تمس مشاعره الوطنية وموقفه من السيادة على المدينتين.

أما في أكتوبر 2026، فقد اتسم الموقف الرسمي المغربي، إلى حدود منتصف الشهر، بقدر أكبر من التحفظ، دون إعلان تصعيد دبلوماسي مماثل.

فهل تغير الموقف المغربي؟

ليس بالضرورة.

فالدول لا تقيس دفاعها عن مصالحها دائماً بعدد بيانات الاحتجاج أو حدة الخطاب. وقد تقتضي الحسابات الاستراتيجية أحياناً الفصل بين ثبات الموقف الوطني وبين اختيار الوسيلة واللحظة الملائمتين للتعبير عنه.

ومن الممكن قراءة التحفظ المغربي الحالي في سياق الحفاظ على العلاقات مع إسبانيا، ومواصلة التعاون الاقتصادي والأمني، وعدم السماح لحدث رمزي، مهما كانت حساسيته، بإعادة البلدين إلى أزمة دبلوماسية واسعة.

لكن ينبغي أيضاً عدم تحويل هذا التحليل إلى ادعاء بوجود خطة تفاوضية سرية أو موعد محدد لاسترجاع المدينتين؛ فمثل هذه الفرضيات تحتاج إلى أدلة لا توفرها الوقائع المعلنة.

والثابت أن المغرب لم يجعل من الزيارة مناسبة لتصعيد رسمي جديد، وأن ذلك لا يكفي وحده للاستنتاج بأن قناعته التاريخية قد تغيرت.

فقد يصمت الخطاب الدبلوماسي عن قضية، لكن الصمت لا يملك القدرة على محوها من التاريخ أو من الذاكرة الوطنية.

المغرب وترتيب الأولويات.. لماذا لا يعني تأجيل النقاش التخلي عن القضية؟

من الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها التحليل السياسي افتراض أن جميع الملفات السيادية ينبغي أن تُدار بالوتيرة نفسها، أو أن الدولة مطالبة بفتح جميع القضايا العالقة في وقت واحد.

فالمغرب يوجد في محيط إقليمي ودولي معقد، تتداخل فيه قضية الصحراء المغربية مع متطلبات التنمية والأمن والاستثمار والعلاقات الأوروبية والإفريقية.

وقد حققت الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة مكاسب مهمة في ملف الصحراء، مع تطور مواقف دول وشركاء دوليين تجاه المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وتعزيز الحضور الاقتصادي والدبلوماسي للمملكة.

وفي المقابل، تشكل إسبانيا شريكاً اقتصادياً وأمنياً أساسياً للمغرب، وترتبط معه بشبكة واسعة من المصالح والتعاون، تجعل من الاستقرار الثنائي ضرورة لكلا البلدين.

ولذلك، فإن فتح مواجهة دبلوماسية شاملة حول سبتة ومليلية، في كل مرة يصدر فيها موقف إسباني جديد، ليس بالضرورة الخيار الأكثر فاعلية لخدمة المصلحة الوطنية.

فالقوة الدبلوماسية لا تتجلى فقط في القدرة على إعلان المطالب، وإنما أيضاً في القدرة على ترتيب الأولويات، وتقدير موازين القوى، وتحديد اللحظات التي يكون فيها طرح قضية معينة أكثر جدوى.

لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين تأجيل النقاش والتنازل عن القضية.

فإذا كان المغرب يمنح في المرحلة الحالية أولوية لملفات أخرى، فإن ذلك لا يعني أن الذاكرة الوطنية المرتبطة بسبتة ومليلية قد أصبحت قابلة للمحو، أو أن الخلاف التاريخي فقد أهميته. كما لا يعني أن هناك، بالضرورة، قراراً رسمياً معلناً بفتح الملف في موعد لاحق.

ويمكن القول إن التحدي الحقيقي أمام المغرب هو كيفية الحفاظ على قوة موقفه التاريخي دون السماح لهذا الخلاف بأن يتحول إلى عامل دائم لتعطيل التنمية والشراكات الاستراتيجية.

فهناك فرق بين التراجع عن حق يعتقد شعب أنه جزء من تاريخه، وبين اختيار وسائل سياسية ودبلوماسية مختلفة للدفاع عنه.

وهذا ما يجعل منطق بناء القوة الداخلية الذي استحضرته نبيلة منيب جديراً بالنقاش: فالمغرب الذي يريد أن يُسمع صوته في القضايا الكبرى يحتاج إلى اقتصاد قوي ومؤسسات فعالة وتنمية شاملة ودبلوماسية ذات مصداقية.

الانتخابات الإسبانية.. حين تتحول الحدود إلى مادة للصراع الحزبي

لا يمكن فصل الجدل الحالي عن اقتراب الانتخابات التشريعية الإسبانية المقررة يوم 29 نونبر 2026، بعد صدور مرسوم حل البرلمان والدعوة إلى الانتخابات في بداية أكتوبر.

فملف سبتة ومليلية أصبح، خلال الأشهر الأخيرة، مرتبطاً بصورة متزايدة بالنقاش الداخلي الإسباني حول الهجرة والأمن والحدود وقدرة الحكومة على تدبير علاقتها مع المغرب.

وقد استثمرت أحزاب المعارضة، وعلى رأسها الحزب الشعبي، تداعيات أزمة سبتة لانتقاد حكومة بيدرو سانشيز، فيما تزايد حضور خطاب اليمين المتطرف الذي يتعامل مع الحدود باعتبارها اختباراً للسيادة والقوة الوطنية.

وفي المقابل، تواصل الحكومة الإسبانية الدفاع عن ضرورة الحفاظ على قنوات التعاون مع الرباط، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من تدبير الأمن والهجرة والمصالح الاقتصادية.

وهنا تتضح مفارقة المشهد الإسباني.

فهناك من يريد أن يجعل من التشدد تجاه المغرب عنواناً انتخابياً، وهناك من يرى أن العلاقات مع الرباط لا يمكن اختزالها في المنافسة الحزبية أو إدارة أزمة حدودية واحدة.

ولا يعني ذلك أن الخلاف السيادي مجرد صناعة انتخابية، فهو أقدم من الانتخابات الحالية بكثير، لكن الاستحقاقات الانتخابية تمنحه قوة إضافية وتزيد من قابلية التصريحات السياسية للتوظيف الإعلامي.

ومن هذا المنظور، يصبح الاهتمام بتصريحات منيب مفهوماً في سياق إسباني داخلي يتجاوز النائبة المغربية نفسها.

فالخطاب الذي يُقرأ في المغرب باعتباره دفاعاً عن حق تاريخي قد يُقدَّم داخل إسبانيا، في أجواء التنافس الانتخابي، باعتباره تحدياً مباشراً للدولة الإسبانية.

وبين القراءتين تتسع مساحة التأويل السياسي.

لماذا تسعى مدريد إلى تعزيز الحضور الأوروبي في سبتة ومليلية؟

من بين التطورات اللافتة إعلان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، خلال شتنبر 2026، عن خطوات جديدة لتعزيز ارتباط سبتة ومليلية بالمؤسسات والآليات الأوروبية.

وشملت المبادرات المطروحة بحث إدماج المدينتين في الاتحاد الجمركي الأوروبي، وتعزيز تمثيلهما المؤسساتي، وتوسيع حضور الوكالات الأوروبية المعنية بإدارة الحدود والأمن والهجرة.

كما أعلن الجانب الأوروبي تخصيص دعم مالي مهم لسبتة، في إطار الاستجابة لتداعيات أزمة الهجرة.

وتكشف هذه الإجراءات أن مدريد تعتبر تحصين موقع المدينتين سياسياً واقتصادياً وأمنياً أولوية استراتيجية.

فإسبانيا لا تكتفي بالدفاع الخطابي عن سيادتها، وإنما تحاول تعزيز الارتباط المؤسسي للمدينتين بالاتحاد الأوروبي، بما يمنحهما حماية سياسية واقتصادية أوسع.

ومن المشروع أن يُطرح هنا سؤال: لماذا تتسارع هذه الخطوات في مرحلة تشهد فيها مناطق الشمال المغربي تحولات اقتصادية ولوجستية كبيرة؟

ليس هناك ما يثبت أن الإجراءات الإسبانية جاءت حصراً رداً على الموقف المغربي من السيادة، لكنها تعكس إدراك مدريد للطابع الحساس للمنطقة، ولأهمية تعزيز دور المؤسسات الأوروبية في تدبير مستقبل المدينتين.

وفي المقابل، فإن المغرب يملك أدوات أخرى لتقوية موقعه، في مقدمتها التنمية الاقتصادية والمشاريع الكبرى التي تغير تدريجياً موازين الجاذبية والاستثمار في المنطقة.

 

من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط.. حين تصبح التنمية قوة جيوسياسية

إذا كان التاريخ يمنح الموقف المغربي من سبتة ومليلية عمقه، فإن الاقتصاد يمنحه اليوم مجالاً إضافياً للتأثير.

فالمملكة لم تعد تُختزل في صورتها التقليدية بوصفها بلداً مجاوراً لأوروبا أو شريكاً في مراقبة تدفقات الهجرة، بل أصبحت فاعلاً صناعياً ولوجستياً متنامي الأهمية على مستوى البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا.

ويبرز ميناء طنجة المتوسط نموذجاً بارزاً لهذا التحول، فيما يمثل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط رهاناً استراتيجياً على تطوير الواجهة الشرقية للمملكة وتعزيز جاذبيتها للاستثمار والتجارة الدولية.

ولا يمكن قراءة هذه المشاريع بمعزل عن التحولات التي عرفتها المناطق المحيطة بسبتة ومليلية، خصوصاً على مستوى التجارة الحدودية، وتطور البنية التحتية، وإعادة تنظيم المبادلات الاقتصادية.

فالنفوذ الجيوسياسي في العالم المعاصر لا تصنعه الجيوش والقرارات الدبلوماسية وحدها؛ تصنعه أيضاً الموانئ والصناعة والاستثمار والطرق وسلاسل التوريد وفرص العمل.

ومن هنا، فإن تقوية مدن تطوان والفنيدق والناظور وبني أنصار، وتحسين ظروف التنمية فيها، يمكن أن يعزز موقع المغرب في علاقته الاقتصادية بالمجال الحدودي.

غير أن هذه الدينامية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مشروعاً لإفقار سبتة ومليلية أو محاصرتهما اقتصادياً.

على العكس، فإن نجاح التنمية في الجانب المغربي يمكن أن يفتح فرصاً للتكامل، بما يسمح لسكان المدينتين بالاستفادة من المحيط الاقتصادي الذي يرتبطون به جغرافياً واجتماعياً.

فالمغرب القوي اقتصادياً، القادر على إنتاج الثروة وجذب الاستثمار وتوفير فرص الشغل، يملك أدوات تأثير أكثر استدامة من تلك التي تنتجها الأزمات الظرفية.

وهو ما يجعل التنمية، في المدى الطويل، أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للمملكة.

 

سكان سبتة ومليلية.. لماذا لا يتعارض الدفاع عن التاريخ مع احترام الإنسان؟

وسط النقاش المتجدد حول السيادة، تبرز حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أي تحليل مسؤول: سبتة ومليلية ليستا مجرد مساحتين على خريطة سياسية، بل مدينتان تعيش فيهما مجتمعات بشرية متعددة الخلفيات الثقافية والدينية واللغوية.

وتربط قطاعات من سكانهما بالمغرب علاقات تاريخية وعائلية واجتماعية وثقافية عميقة، إلى جانب وجود سكان يتمسكون بهويتهم الوطنية الإسبانية وانتمائهم السياسي والمؤسساتي إلى إسبانيا.

ومن منظور مغربي، فإن الدفاع عن مغربية سبتة ومليلية لا ينبغي أن يتحول إلى موقف عدائي تجاه سكانهما، ولا إلى إنكار لحقوقهم أو لمصالحهم أو لاختياراتهم السياسية.

فالخلاف حول السيادة شيء، والحقوق الإنسانية والمدنية للأفراد شيء آخر.

كما أن الاعتراف بوجود مواقف مختلفة بين سكان المدينتين لا يعني التخلي عن القراءة التاريخية المغربية، وإنما يعكس إدراكاً لتعقيد الواقع الذي ينبغي التعامل معه.

وأي تصور جاد للمستقبل يحتاج إلى التفكير في كيفية حماية الاستقرار، وضمان الحقوق، وتعزيز التعايش، وفتح فرص التعاون بين المجتمعات على جانبي الحدود القائمة.

فالتاريخ يمكن أن يكون أساساً للمطالبة السياسية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإنتاج خصومات جديدة بين الشعوب.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المشاريع المشتركة في الاستثمار والتكوين والتعليم والصحة والسياحة والتجارة المنظمة، باعتبارها مجالات قادرة على تخفيف التوتر وبناء الثقة.

إن الدفاع عن موقف تاريخي قوي لا يتناقض مع بناء مستقبل إنساني مشترك.

بل إن قوة الدولة تظهر أيضاً في قدرتها على الفصل بين الخلاف مع سياسات دولة أخرى وبين الاحترام الواجب لشعبها ومواطنيها.

 

أزمة الهجرة.. المأساة الإنسانية التي كشفت هشاشة التوازن الحدودي

يصعب فهم الأجواء التي أحاطت بالزيارة الملكية الإسبانية وتصريحات منيب دون العودة إلى أحداث نهاية يوليوز 2026، عندما شهدت المناطق الحدودية مع سبتة ومليلية محاولات عبور جماعية واسعة، خلفت خسائر بشرية ومعاناة إنسانية كبيرة.

وقد نشر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب، في 7 غشت، خلاصات أولية بشأن هذه الأحداث، تناولت الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وظروف العبور، وأوضاع القاصرين، وانتشار معلومات مضللة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

كما دعا المجلس إلى آلية مشتركة ومسؤولة لتحديد الحصيلة البشرية والتعرف على جثامين الضحايا وضمان تسليمها إلى عائلاتها في ظروف تحفظ الكرامة الإنسانية.

وتكشف هذه المأساة أن الحدود، مهما كانت الخلافات السياسية المرتبطة بها، ليست مجرد خطوط للسيادة، وإنما فضاءات تتقاطع فيها أحلام الشباب ومخاوف الأسر ومسؤوليات الدول.

فحين تتحول الهجرة إلى أزمة جماعية، وحين يفقد أشخاص حياتهم بحثاً عن فرصة للعبور، يصبح من الواجب أن تتقدم حماية الإنسان على المزايدات السياسية.

كما أن استغلال مثل هذه الأحداث في الصراعات الانتخابية أو في تبادل الاتهامات لا يمكن أن يشكل بديلاً عن البحث الجدي في أسباب الهجرة ومسؤوليات التدبير والوقاية.

وهنا تبرز الحاجة إلى نموذج تعاون مغربي إسباني أكثر شمولاً، يجمع بين المسؤولية الأمنية واحترام حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.

إن قوة الموقف السيادي لأي دولة تكتسب معناها الأعمق عندما تقترن بالقدرة على حماية الأرواح وصون الكرامة الإنسانية.

 

بين الصحراء المغربية وسبتة ومليلية.. دبلوماسية المصالح وحدود الخلاف

شهدت العلاقات المغربية الإسبانية تحولاً مهماً سنة 2022، عندما أعلنت حكومة بيدرو سانشيز اعتبار المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع.

وقد ساهم هذا التحول في إعادة بناء الثقة بين الرباط ومدريد، وفتح مرحلة جديدة من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي.

وتعزز هذا المسار بعقد الدورة الثالثة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين البلدين في مدريد خلال دجنبر 2025، والتوقيع على أربعة عشر اتفاقاً للتعاون.

لكن التقارب لم يؤدِّ إلى اختفاء جميع نقاط الخلاف.

كما أن توصيف الموقف الإسباني من الصحراء يجب أن يبقى منضبطاً لصيغته الدبلوماسية المعلنة، دون توسيعه إلى اعتراف قانوني صريح لم تتضمنه تلك الصيغة بالضرورة.

وفي المقابل، فإن التعاون المغربي الإسباني لا يعني أن قضية سبتة ومليلية قد حُسمت باتفاق بين الطرفين.

إن ما يجري يعكس طبيعة العلاقات بين الدول التي قد تتفق في ملفات كبرى، بينما تحتفظ بخلافات عميقة في ملفات أخرى.

ومن هذا المنطلق، فإن عدم جعل قضية سبتة ومليلية محوراً للصدام الدبلوماسي اليوم يمكن فهمه ضمن منطق إدارة المصالح المتبادلة، دون أن يصبح ذلك دليلاً على سقوط المطالب التاريخية المغربية.

فالدبلوماسية لا تتحرك دائماً وفق تسلسل عاطفي أو زمني، وإنما وفق تقديرات تتعلق بالمصلحة والقدرة والفرصة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية أن يحافظ المغرب على خطاب متماسك: خطاب يدافع عن ذاكرته التاريخية، ويعترف بتعقيدات الواقع الدولي، ويعطي الأولوية لبناء عناصر قوته الداخلية.

هل تخشى إسبانيا التصريحات المغربية أم الأسئلة التي تعيد فتحها؟

من السهل اعتبار ردود الفعل الإسبانية تجاه تصريحات منيب مجرد دفاع طبيعي عن موقف سيادي رسمي.

وهذا جانب من الحقيقة.

لكن من الممكن أيضاً قراءة هذا التفاعل بوصفه انعكاساً لحساسية موضوع لم تغلقه عقود التعاون، ولم تتمكن العلاقات الثنائية المتقدمة من إخراجه نهائياً من دائرة الجدل.

فحين يتحدث مسؤول أو فاعل سياسي مغربي عن المدينتين، لا تستقبل الصحافة الإسبانية الكلمات في فراغ، بل تضعها داخل سياق مشحون بالتاريخ والهجرة والخلافات الحدودية والمنافسة الحزبية.

وهكذا تتحول الجملة السياسية إلى رسالة تتجاوز معناها المباشر.

ولذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط لماذا أعادت الصحافة الإسبانية نشر تصريحات نبيلة منيب، بل لماذا يجد هذا الملف نفسه دائماً قابلاً للعودة إلى الواجهة رغم مرور قرون على بداية السيطرة الأوروبية على المدينتين؟

الجواب يكمن في أن الاستقرار الإداري لا يساوي بالضرورة التوافق التاريخي، وأن قوة المؤسسات القائمة لا تعني انتهاء جميع المطالب السياسية المتعلقة بالأرض.

ومع ذلك، فإن من الخطأ تحويل التفاعل الإعلامي الإسباني إلى دليل على اعتراف مدريد بالموقف المغربي أو استعدادها للتفاوض. فالمواقف الإسبانية الرسمية لا تزال تؤكد العكس.

لكن هذه الحقيقة لا تنتقص من أهمية النقاش.

بل تؤكد أن الخلاف يحتاج إلى قراءة بعيدة المدى، تحترم الوقائع ولا تخلط بين الطموح السياسي والنتائج الدبلوماسية المتحققة.

هل كانت كلمات منيب القطرة التي أفاضت الكأس؟

قد تكون هذه الصورة الأقرب إلى تفسير المشهد إعلامياً، لكنها ليست بالضرورة الأكثر دقة سياسياً.

فالكأس كان ممتلئاً أصلاً بتداعيات أزمة الهجرة، وتراكم الخلافات الحدودية، وحسابات الانتخابات الإسبانية، والنقاش الفكري الذي شهدته الصحافة الإسبانية، فضلاً عن زيارة الملك فيليبي السادس وتحركات مدريد لتعزيز حضور المؤسسات الأوروبية في المدينتين.

وجاء تصريح منيب ليمنح هذه التفاعلات عنواناً جديداً، وليعيد طرح سؤال ظلت العلاقات الثنائية تتعامل معه بحذر: هل يمكن للشراكة المغربية الإسبانية أن تبلغ مستويات أكثر تقدماً دون أن تجد، في مرحلة ما، طريقة للتعامل مع الخلاف التاريخي بشأن سبتة ومليلية؟

ليس هناك جواب جاهز أو مسار تفاوضي معلن اليوم.

فالمغرب يحتفظ بمطالباته التاريخية، وإسبانيا تتمسك بسيادتها الحالية وترفض التفاوض بشأنها، فيما تفرض المصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية استمرار التعاون بين البلدين.

لكن المؤكد أن المغرب اليوم ليس المغرب الذي كان قبل عقود، وأن البيئة الإقليمية نفسها تغيرت.

فالمملكة تعزز موقعها الاقتصادي والدبلوماسي، وتطور قدراتها اللوجستية والصناعية، وتوسع حضورها الإفريقي والدولي، فيما أصبحت علاقاتها مع أوروبا أكثر تشابكاً من أن تختزل في تدبير الحدود.

ولذلك، فإن مستقبل أي نقاش بشأن القضايا التاريخية العالقة سيكون مرتبطاً أيضاً بحجم القوة الاقتصادية والمؤسساتية التي يستطيع المغرب بناءها، وبقدرته على الدفاع عن مواقفه ضمن رؤية استراتيجية متماسكة.

فالدول لا تصنع مكانتها الدولية بالذاكرة وحدها، مهما كانت أهمية تلك الذاكرة، بل بما تملكه من قدرة على تحويل التاريخ إلى رؤية سياسية قابلة للاستمرار.

سبتة ومليلية.. حين لا يكون الصمت تنازلاً ولا التاريخ قابلاً للمحو

في النهاية، ليست سبتة ومليلية بالنسبة إلى المغاربة مجرد ملف دبلوماسي ينتظر تصريحاً جديداً كي يعود إلى الحياة.

إنهما جزء من سؤال تاريخي أعمق يتعلق بالسيادة والذاكرة الوطنية وآثار التوسع الأوروبي على الساحل المغربي.

ومن حق المغرب أن يحافظ على قراءته التاريخية للمدينتين، وأن يدافع عنها بالوسائل السلمية والسياسية والدبلوماسية، كما أن من مقتضيات التحليل المسؤول الإقرار بأن إسبانيا تتبنى موقفاً سيادياً مضاداً، وأن الانتقال من الخلاف إلى أي تسوية يحتاج إلى أكثر من التصريحات والرموز.

فمغربية سبتة ومليلية، في الوجدان الوطني المغربي، ليست قضية صنعتها نبيلة منيب، ولا أطروحة اخترعتها جريدة «العالم24»، ولا موقفاً ولد بسبب زيارة ملك إسباني إلى المدينتين.

إنها قناعة تاريخية متجذرة، ظل حضورها يتفاوت في الخطاب السياسي تبعاً للظروف والأولويات، دون أن يغيب أثرها عن الذاكرة الوطنية.

وإذا اختارت الرباط اليوم ضبط إيقاع هذا الملف، فلا ينبغي تلقائياً تفسير ذلك باعتباره تنازلاً، كما لا يصح تقديمه دليلاً على وجود قرار وشيك بتغيير الوضع القائم.

فبين الأمرين مساحة واسعة تتحرك داخلها الدبلوماسية، وتُبنى فيها المصالح، وتتغير خلالها موازين القوة.

أما التصريحات السياسية، مهما بلغت حدتها، فلا تستطيع وحدها تغيير الخرائط.

لقد أعادت كاميرا «العالم24» إلى الواجهة صوتاً مغربياً عبّر عن موقف تاريخي، لكن ما منح هذا الصوت صداه الحقيقي لم يكن الكلمات وحدها، بل ذلك التراكم الطويل من الأسئلة التي لم تتوصل الرباط ومدريد إلى جواب مشترك بشأنها.

فالبركان الحقيقي ليس في تصريح نبيلة منيب، ولا في عناوين الصحف الإسبانية، ولا حتى في زيارة ملكية عابرة؛ إنه في التاريخ الذي لم تُغلق صفحاته، وفي الجغرافيا التي ما زالت تذكّر الطرفين بخصوصية هذا الخلاف، وفي السيادة التي يقرأها كل جانب من زاويته الوطنية.

ومن هنا، فإن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية لن يُقاس فقط بمدى قدرة البلدين على تجاوز الأزمات، بل أيضاً بقدرتهما على بناء شراكة قوية لا تنكر وجود القضايا التاريخية العالقة، ولا تجعل منها سبباً دائماً لتهديد السلام والتنمية.

فالجوار الجغرافي قدر لا يمكن تغييره، أما طبيعة العلاقات السياسية فهي اختيار تصنعه الدول.

وقد تتبدل الحكومات، وتتغير التحالفات، وتتقدم المصالح الاقتصادية، وتتراجع حدة الخطابات، لكن التاريخ يظل حاضراً في ذاكرة الشعوب.

وسبتة ومليلية، بالنسبة إلى المغرب، ليستا مجرد حدود مع أوروبا، بل سؤالاً تاريخياً عن أرض وذاكرة وسيادة. أما اختيار اللحظة والوسيلة المناسبتين للتعامل مع هذا السؤال، فذلك هو الاختبار الحقيقي لقوة السياسة ونضج الدبلوماسية.

فقد تهدأ البراكين سنوات طويلة، لكن هدوء سطحها لا يعني أن ما في أعماقها قد انطفأ.

 

العالم24 | قراءة سياسية وتحليلية

شاهد أيضا