سيرا على عادته عند مستهل كل ولاية حكومية بادر”الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان بصفته هيئة مدنية مستقلة، إلى إعداد مذكرة وجهها إلى السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة، تتضمن مجموعة من المقترحات التي تهدف إلى تعزيز حقوق الإنسان، كسياسة عامة وناظمة لمختلف السياسات العمومية.
وأوضح الوسيط بأنه إذ يدرك بأن تنصيب الحكومة، لا يتم إلا بعد حصولها على ثقة البرلمان، فإنه يتقدم بمقترحاته في هذه اللحظة التي تسبق البرنامج الحكومي فإنه يتطلع كي تجد امتدادا لها به، مسجلا بإيجابية التطبيق السليم لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، بتكليف رئيسة الحكومة من قبل جلالة الملك، وما رافق ذلك من تنويه وإشادة. وفي هذا الصدد، عبر الوسيط عن تطلعه إلى مواكبة هذه اللحظة بتدابير من شأنها بعث الثقة والأمل، واستحضار الروح التي أطرت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، وذلك بتصفية الأجواء بالإفراج عما تبقى من معتقلين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية، ومدونين وصناع المحتوى.
وبعدما استحضر أهمية لحظة إعداد البرنامج الحكومي وما يتضمنه من توجهات لإعداد السياسات العمومية، لفت الوسيط الانتباه إلى أنه يستند في صياغة مذكرته على نتائج التقرير الذي كان قد أنجزه ذ. يوسف غويرݣات بتكليف من الوسيط بشأن” تقييم حصيلة العمل الحكومي في مجال حقوق الإنسان خلال الولاية 2021–2026″، وهو تقرير غطى تقييم الالتزامات البرنامجية ذات الصلة بحقوق الإنسان، والموزعة على 17 محورا خلال الولاية الحكومية السابقة والذي خلص فيه إلى أن إيقاع منجز الحكومة تراوح ما بين التحقق وعدم التحقق، وبين التحقق الجزئي والتحقق غير المكتمل؛ وليتم تحديد المنجز في علاقة بالقوانين والمؤسسات وإتاحة الموارد والبرامج، من دون أن يتحول ذلك وبالقدر المطلوب إلى استفادة فعلية ومنصفة، أو إلى تحسن ملموس ومستدام في جودة الخدمات والنتائج.
وانطلاقا مما تم تسجيله من اختلالات أفقية، أكد الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، في مذكرته أن الأمر يتطلب تسريع الانتقال من تراكم القوانين والمؤسسات والبرامج والموارد إلى ضمان النفاذ الفعلي إلى الحقوق وقياس أثر السياسات على حياة الناس، ذلك أن وجود الحق في النص، أو إحداث المؤسسة، أو تخصيص الاعتماد، أو إطلاق البرنامج، هي مداخل ضرورية ومستلزمات أساسية، لكن التحدي الذي ما يزال قائما يتعلق بسؤال النجاعة وقدرة الأشخاص على ممارسة حقوقهم والوصول السلس إلى الخدمات المرتبطة بها بإنصاف وجودة واستدامة، وهو ما يستدعي رصد الفجوات الأفقية الخمسة التي يتطلب استحضارها وتدارك تداعياتها.
وفي هذا السياق حددت مذكرة الوسيط الفجوات الخمسة بدءا بالفجوة ما بين الإطار والتنفيذ، حيث يتأخر تفعيل بعض البرامج أو تشغيل بعض المرافق، أو عدم استكمال الشروط اللازمة لاستمرارها، وبين التسجيل والاستفادة، حيث لا يضمن التسجيل في نظام أو برنامج من النفاذ إلى الحقوق أو الانتفاع المنتظم بها وفق ما هو محدد لها، وكذلك بين الموارد وجودة الخدمات، حيث لا تؤدي بالضرورة زيادة الاعتمادات وتوسيع البنيات إلى تجاوز خصاص الموارد البشرية وسوء توزيعها وصعوبات الولوج إلى الخدمات وتجويدها.
بالإضافة إلى كل من فجوة التفاوت الاجتماعي والمجالي، حيث لا يعنى تحسن المتوسط الوطني أن الفئات والمناطق ذات الهشاشة قد استفادت من الخدمات بالقدر نفسه، وفجوة ضعف الالتقائية ومحدودية البيانات، حيث تتوزع المسؤولية بين قطاعات ومستويات ترابية، فيما تظل بيانات النتائج والجودة والاستفادة والأثر محدودة.
وبناء عليه، يؤكد الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان أن العمل على نقل مركز التتبع من إقرار الحقوق كبرامج وتدابير وأرقام وفق المقاربة الكمية إلى القياس الكيفي لإعمالها، هو الرهان الذي يؤطر انتظارات المواطنات والمواطنين تجاه هذه الحكومة، من أجل تجاوز فجوات النفاذ وتدارك الخصاص في ستة مجالات تهم الحماية الاجتماعية، من خلال قياس الانتقال من التسجيل إلى فتح الحقوق، ومن فتحها إلى الانتفاع المنتظم والكافي، ورصد من بقي خارج التغطية أو الدعم وأسباب عدم الاستفادة أو انقطاعها.
كما تهم الصحة، التي أكد الوسيط بشأنها على ربط تأهيل المرافق بتوفر الأطر والتجهيز والصيانة ومواعيد العلاج، وقياس الولوج والجودة والاستمرارية والتكاليف التي يتحملها المرتفقون، مع توجيه الموارد إلى المناطق الأشد خصاصا،
كما شدد الوسيط بخصوص التعليم والتكوين على ضرورة قياس الاستمرار والتعلم والجودة والإنصاف، إلى جانب المؤسسات والمقاعد والتدابير ومعالجة الاكتظاظ ونقص التأطير والفوارق المجالية مؤكدا على صعيد حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، على ضرورة جعل الولوجيات والنقل والخدمات الدامجة شرطا في التعليم والعمل والصحة والإدارة والثقافة، مع تتبع التغطية الترابية وإمكان الانتفاع الفعلي.
أما على مستوى التشغيل والحقوق المهنية، فقد حدد الوسيط مؤشرات القياس في علاقة بمستويات الاستقرار وجودة العمل والحماية الاجتماعية والوصول إلى فرص الشغل، ليشمل القياس أعداد المستفيدين من برامج التكوين أو التشغيل وفق معايير العمل اللائق، فضلا عن قياس التحقق من جودة الخدمات واستكمالها وتيسير الولوج إليها، وحماية المعطيات، وتوفير المساعدة والقنوات غير الرقمية لمن هم في حاجة إليها، على مستوى الخدمات الإدارية والرقمية.
وانطلاقا من الاعتبارات السابقة تقدم الوسيط بالمقترحات التي تعكس انشغالاته وتترجم رؤيته في الحرص على التمفصل ما بين السياسات العمومية وحقوق الانسان، والتي حددها في إدماج تقييم الأثر الحقوقي في مسار صناعة القرار، لتُفحص آثار التشريعات والبرامج الكبرى على أساس المساواة وعدم التمييز والنفاذ إلى الخدمات وحماية الفئات المعنية، وافتحاص النتائج بعد التنفيذ على هذا الأساس، بموازة ربط الميزانية والبيانات بمبدأ الإنصاف، ونشر بيانات قابلة للمقارنة ومفصلة بحسب الجهة والوسط والجنس والعمر والإعاقة والوضع الاجتماعي.
وفي حالة غياب خط الأساس أو تعذر القياس، حث الوسيط الحكومة على إعلانها ذلك في حينه وتحديد مهلة لسد النقص. في أفق الوصول الى ميزانية مستجيبة لحقوق الإنسان بمؤشرات قابلة للقياس، مع استباق التحولات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والرقمية وتعزيز التفكير التوقعي، بما في ذلك ملفات الماء والبيئة والتفاوتات المجالية وحماية المعطيات، وضمان الا تؤدي الحلول التقنية أو الاقتصادية إلى إقصاء فئات أو مناطق أو تقييد النفاذ إلى الخدمات، مع ضرورة انتظام ايقاع الوفاء بالالتزامات الحقوقية المترتبة عن الممارسة الاتفاقية للمغرب ببرمجة واضحة لمتابعة مدى إعمال توصيات الآليات الأممية لحقوق الإنسان، والعمل على استكمال ورش ملاءمة التشريعات الوطنية.
كما تضمنت المذكرة مقترحات أخرى تهم العمل على استكمال البناء المؤسساتي وفقا لأحكام الدستور لتجاوز الوضعية غير العادية التي تعرفها بعض المؤسسات القائمة، وتسريع تنصيب المؤسسات التي لم يتم تفعيلها بعد، واعتماد خطة وطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان، تتوافق مع المعايير الواردة في اعلان ومبادئ فيينا، (الصادرة عن مؤتمر الامم المتحدة حول حقوق الإنسان سنة 1993)، تحدد الأولويات والنتائج والجهات المسؤولة والموارد والآجال، وتربط الالتزامات الدستورية بالسياسات القطاعية والترابية. وأن تكون أداة للتنسيق والتنفيذ والمساءلة، ووضع إطار تشريعي للتشاور العمومي، يحدد حقوق والتزامات السلطات العمومية ومنظمات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة، واستحضار الممارسات الفضلى في هذا المجال، بالإضافة إلى مراجعة المقتضيات التشريعية والقانونية ذات الصلة بالحريات العامة (الجمعيات، التجمعات العمومية، الصحافة)، في اتجاه إلغاء العقوبات السالبة للحرية، وتكريس الطابع التصريحي في مجال تثبيت الأهلية القانونية للجمعيات، ووضع حد لكل التجاوزات التي تمس بهذه الحقوق، وتسريع وثيرة تكريس وتعزيز الطابع الرسمي للغة والثقافة الأمازيغية.
كما دعا الوسيط إلى التعجيل بإخراج مدونة الأسرة بما يتلاءم مع التحولات الاجتماعية والمجتمعية، وبما يحقق العدل والمساواة والإنصاف، ومراجعة التشريع الجنائي بما يتلاءم مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وسن سياسة دامجة للفئات الهشة والأكثر عرضة للانتهاكات والتمييز، من أطفال وأشخاص في وضعية إعاقة ومسنين ومهاجرين ولاجئين، وتعزيز الاهتمام بالأجيال الجديدة لحقوق الإنسان، سيما الحقوق البيئية والعدالة المناخية والحقوق الرقمية والأخلاقيات البيو طبية، مع الحرص على التعاطي مع قضايا الفساد والرشوة والاحتكار من منظور حقوق الإنسان، باعتبارها انتهاكات مركبة بقدر ما تنتهك حقوق المواطنات والمواطنين بقدر ما تقوض مسارات بناء الديمقراطية ودولة الحق والقانون.
وعبر الوسيط في ختام مذكرته عن تطلعه لأن تحدث الحكومة تغييرا في علاقاتها بالمؤسسات الدستورية وتستحضر الأهداف الدستورية وتعمل على تفعيلها، بما يحقق التوازن والتعاون والتفاعل الإيجابي مع ما تصدره تلك المؤسسات من توصيات، والعمل على التفعيل الأمثل لمقتضيات الفصل 160 من الدستور.
تجدر الإشارة إلى أن الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان، أرفق مذكرته الى رئيسة الحكومة المعينة، بتقرير مفصل أنجزه بتكليف من الوسيط الباحث والخبير يوسف اغويركات، يتوقف فيه عند تقييم منجز الحكومة السابقة خلال مدة ولايتها (2021-2026) في علاقة بتعهداتها وبرامجها ذات الصلة بحقوق الإنسان، بما يقدمه من مؤشرات دالة حول حصيلتها الحقوقية وفق منهجية علمية مبتكرة.
كما يتضمن التقرير العديد من التوصيات والمقترحات التي يعتبر الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان أنه من شأنها أن تفيد الحكومة الجديدة، فيما يتعلق بارتباط الفعل العمومي بمرجعية حقوق الإنسان سواء في التشريع أو في السياسات العمومية والقطاعية، بالإضافة لما استخلصه التقرير من تدابير قابلة للشروع في إعمالها خلال المئة (100) يوم الأولى من عمر الحكومة الجديدة والتي أعلن الوسيط على تتبعها ورصدها وتقييمها في أفق إصدار تقرير بشأنها.
