تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة.. قرار ملكي تاريخي يجسد رؤية المغرب الجديد

بقلم: رضوان الله العطلاتي

في لحظة سياسية فارقة من تاريخ المملكة، عيّن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، لتدخل المغرب من أوسع أبواب التاريخ السياسي الوطني، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في مسار الدولة المغربية الحديثة.

هذا التعيين لا يمكن قراءته كحدث بروتوكولي عابر، ولا كتحول رمزي محدود في الزمن السياسي، بل هو إعلان واضح عن مرحلة جديدة تتقاطع فيها الشرعية الدستورية، والإرادة الشعبية، والرؤية الملكية المتدرجة لبناء مغرب المؤسسات والكفاءات وتوسيع مشاركة المرأة في مراكز القرار العليا.

فأن تصل امرأة مغربية إلى رئاسة الحكومة، في بلد ظل يراكم منذ سنوات إصلاحات هادئة وعميقة في مجال الحقوق والمؤسسات وتمكين النساء، فذلك يعني أن المسار لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم سياسي ودستوري ومجتمعي قاده جلالة الملك محمد السادس برؤية بعيدة المدى، جعلت من المرأة المغربية شريكة في التنمية، وفاعلة في القرار، وحاضرة في الدبلوماسية، والقضاء، والإدارة، والجماعات الترابية، والبرلمان، واليوم في أعلى موقع تنفيذي حكومي.

ويكتسب هذا القرار الملكي دلالته الكبرى من كونه جاء في سياق دستوري واضح، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية، حيث احترم جلالة الملك المنطق الدستوري والمؤسساتي، وعين شخصية من الحزب المتصدر، في رسالة تؤكد مرة أخرى أن المغرب يواصل ترسيخ قواعد التناوب، وربط المسؤولية بالاختيار الشعبي، داخل إطار الاستمرارية والثوابت الوطنية.

غير أن قوة اللحظة لا تكمن فقط في كون المنصوري أول امرأة تقود الحكومة، بل في طبيعة المرحلة التي ستقودها. فالمغرب اليوم أمام انتظارات اجتماعية واقتصادية كبرى، وأمام تحديات الشباب، وفرص الشغل، والقدرة الشرائية، والعدالة المجالية، وإصلاح الصحة والتعليم، وتجويد الخدمات العمومية، وتسريع أوراش الاستثمار والبنيات التحتية، خاصة مع الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المملكة، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

إن المنصوري لا تدخل رئاسة الحكومة من باب الرمز فقط، بل من باب المسؤولية الثقيلة. فهي مطالبة بتشكيل أغلبية منسجمة، قادرة على الاشتغال لا على توزيع المواقع، وقادرة على إنتاج حلول لا على تكرار الشعارات. المرحلة لا تحتاج حكومة أرقام فقط، بل حكومة نفس سياسي جديد، وبرنامج واضح، وجرأة في التنفيذ، وإنصات حقيقي للمواطنين، خصوصًا الشباب الذين ينتظرون من السياسة أن تتحول من خطاب إلى أثر ملموس في حياتهم اليومية.

ومن هنا، فإن التعيين الملكي يضع المنصوري أمام امتحان مزدوج: امتحان تشكيل حكومة قوية ومتوازنة، وامتحان قيادة مرحلة دقيقة لا تسمح بكثير من الوقت الضائع. فالمغاربة لا ينتظرون فقط حكومة جديدة، بل ينتظرون لغة جديدة في التدبير، ونتائج قابلة للقياس، ووضوحًا في الأولويات، وقدرة على إعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.

كما أن هذا التعيين يحمل رسالة قوية للمرأة المغربية، ليس باعتباره مجاملة سياسية، بل باعتباره اعترافًا بكفاءتها وقدرتها على تحمل أعلى المسؤوليات. فالمرأة المغربية، التي كانت حاضرة في المدرسة والجامعة والمقاولة والإدارة والجماعة والبرلمان، تجد اليوم نفسها ممثلة في موقع رئاسة الحكومة، وهو ما يمنح الأجيال الجديدة من النساء والفتيات إشارة واضحة: سقف الطموح لم يعد مغلقًا، والمسؤولية لم تعد حكرًا على جنس دون آخر.

لكن أهمية هذه اللحظة لا تعني إعفاء التجربة المقبلة من النقد والمساءلة. فالتاريخية لا تكفي وحدها لصناعة النجاح، والرمزية لا تعوض النتائج. لذلك، فإن قوة هذا التعيين ستقاس بما ستنتجه الحكومة المقبلة من سياسات عمومية، وبمدى قدرتها على تنزيل التوجيهات الملكية، ومعالجة اختلالات الواقع، وتقديم أجوبة عملية على الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطن المغربي.

لقد اختار المغرب، مرة أخرى، أن يصنع تحوله بهدوء وثبات، لا بالقطيعة ولا بالارتجال. ومن داخل هذا المسار، يأتي تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة كإشارة سياسية كبرى إلى أن الدولة المغربية تواصل تطوير نموذجها الخاص: ملكية ضامنة للاستقرار، دستور مؤطر للممارسة، مؤسسات منتخبة تتحمل مسؤوليتها، ونساء ورجال مدعوون إلى إثبات الكفاءة في خدمة الوطن.

إنها لحظة تاريخية بكل المقاييس، لكنها في العمق بداية اختبار لا نهايته. فالمغرب لا يطلب من رئيسة الحكومة المقبلة أن تكون عنوانًا إعلاميًا فقط، بل أن تكون قائدة تنفيذية لمرحلة جديدة، قادرة على تحويل الثقة الملكية والتكليف الدستوري إلى عمل حكومي منتج، وإلى سياسات تنعكس على حياة الناس، وإلى نفس سياسي يعيد الاعتبار للجدية والمسؤولية.

وبين رمزية أول امرأة تقود الحكومة، وثقل الملفات المطروحة على طاولة القرار، تقف فاطمة الزهراء المنصوري أمام فرصة نادرة لصناعة أثر سياسي يتجاوز اللحظة، ويكتب صفحة جديدة في تاريخ المغرب الحديث؛ صفحة لا عنوان لها سوى أن المملكة، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، تمضي بثبات نحو مغرب أكثر إنصافًا، وأكثر نضجًا، وأكثر قدرة على تحويل التحولات الكبرى إلى واقع ملموس.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...