الهـ.ـجوم على أحمد الشرعي.. حين يتحول النقاش من الأفكار إلى محاكمة أصحابها

كلما طُرحت فكرة غير مألوفة في النقاش العمومي، سارع بعض المتفاعلين إلى تجاوز مضمونها والتركيز على صاحبها؛ فتُستحضر مواقفه السابقة وخلافاته، ويتحول الحوار من مناقشة الأفكار إلى محاكمة الأشخاص.

وقد أعادت الافتتاحية التي نشرها أحمد الشرعي حول خيار الحداثة هذا النقاش إلى الواجهة. فمضمونها قابل للنقاش والاختلاف، كما يمكن مساءلة ما تطرحه من أفكار بشأن الحداثة والسياسة ومكانة المرأة وتجديد النخب. غير أن اختلاف الآراء لا ينبغي أن يجعل حق الكاتب في التعبير موضع تشكيك أو مساومة.

فالصحافي، مثل غيره من الفاعلين في المجال العام، قد يعبر عن موقفه من القضايا الكبرى، مع بقاء النقاش مفتوحاً حول الحدود المهنية بين الخبر والرأي، وحول استقلالية وسائل الإعلام وتوازنها. لكن مناقشة هذه القضايا تختلف عن الدعوة إلى التضييق على حق صحافي أو ناشر في التعبير لمجرد أن رأيه لا ينسجم مع توجه سياسي أو فكري معين.

وفي عدد من الردود المتداولة، بدا التركيز منصباً على شخص الشرعي ومواقفه السابقة أكثر من الانشغال بتفنيد الأفكار التي طرحها. وهو ما يطرح سؤالاً حول جدوى تحويل النقاش إلى استعادة للخصومات بدل تقديم حجج واضحة، سواء لتأييد ما ورد في الافتتاحية أو لمعارضته.

فالاختلاف مع فكرة ما لا يعني إسقاطها عبر مهاجمة صاحبها. كما أن مواقف الإنسان السابقة، مهما كانت محل نقاش، لا تلغي حقه في تقديم رأي جديد، ولا تعفي المتلقين من تقييمه على أساس ما يتضمنه من حجج ومعطيات. فالنقاش العام يتطور حين يتيح مراجعة المواقف، ويمنح الأفكار المتعارضة فرصة المواجهة بالحجة.

ومن يرى أن ما طرحه أحمد الشرعي غير مقنع، بإمكانه الرد عليه ومناقشة أطروحاته أمام الرأي العام، وتقديم تصور بديل بشأن الحداثة والمرأة وتجديد النخب. فالحوار الديمقراطي لا يكتفي بالسؤال عن هوية المتحدث، بل ينظر أيضاً إلى مضمون كلامه والأدلة التي يستند إليها.

لا يحتاج أحمد الشرعي إلى إعفائه من النقد، كما لا ينبغي أن يتحول النقد إلى وسيلة للتضييق على حقه في التعبير. وبين الأمرين مسافة واضحة: فالنقد جزء أساسي من النقاش الديمقراطي، أما حماية حق الاختلاف والكلام فهي شرط لاستمرار هذا النقاش.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...