شهد المغرب خلال الأشهر الأولى من السنة الجارية تساقطات مطرية مهمة أعادت الأمل للقطاع الفلاحي، بعد سنوات صعبة اتسمت بندرة الأمطار وتأثيرات واضحة للتغيرات المناخية. فقد عانت الفلاحة الوطنية طيلة سبع سنوات من تراجع في المساحات المزروعة وتدهور في المراعي وارتفاع في تكاليف الإنتاج، إلى جانب تقلص القطيع الوطني.
غير أن أمطار هذا الموسم شكلت متنفساً حقيقياً، إذ ساهمت في إنعاش حقينة السدود وإعادة تغذية الفرشات المائية، ما انعكس إيجاباً على النشاط الفلاحي ومنح دفعة قوية للموسم الحالي، الذي انطلق في ظروف صعبة.
وفي هذا السياق، أكد كمال أبركاني، الخبير في الهندسة الزراعية، أن الموسم الفلاحي الجاري يشهد تحسناً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الماضية، مشيراً إلى أن نسبة ملء السدود بلغت حوالي 75 في المائة، وهو ما انعكس إيجاباً على المؤشرات النباتية وتوفر المراعي.
وأوضح أن هذا الانتعاش لم يقتصر على المياه السطحية، بل شمل أيضاً المياه الجوفية التي استعادت عافيتها في عدد من المناطق، ما شجع الفلاحين على توسيع الزراعات الربيعية وتعويض التأخر المسجل في الزراعات الخريفية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، شدد الخبير على ضرورة توخي الحذر، معتبراً أن تحسن الوضعية المائية لا يعني بالضرورة نهاية الجفاف، في ظل استمرار التقلبات المناخية وصعوبة التنبؤ بمستقبل التساقطات.
كما أشار إلى أن توزيع الموارد المائية يظل غير متوازن بين مختلف الأحواض، حيث لا تزال بعض المناطق تسجل نسب ملء أقل، ما يستدعي اعتماد تدبير عقلاني للموارد المائية وعدم الإفراط في التفاؤل بموسم ممطر واحد.
وفي المقابل، أبرز أن المغرب راكم تجربة مهمة في مواجهة الجفاف، من خلال تنويع مصادر المياه، عبر تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، إضافة إلى برامج ترشيد الاستهلاك في المجال الفلاحي.
من جهة أخرى، يظل القطاع الفلاحي متأثراً أيضاً بالتقلبات الاقتصادية الدولية، خاصة ارتفاع أسعار الطاقة والمدخلات الفلاحية، مثل الأسمدة والبذور، رغم توفر المغرب على موارد مهمة من الفوسفاط.
وفي هذا الإطار، تواصل الدولة دعمها للقطاع عبر سياسات وبرامج تهدف إلى تعزيز الإنتاج وضمان الأمن الغذائي، حيث سجل الموسم الحالي نتائج إيجابية، سواء على مستوى التساقطات التي بلغت 520 ملم، أو على مستوى مخزون السدود الذي وصل إلى 12.8 مليار متر مكعب.
كما تم تسجيل إنتاج قياسي في عدد من الزراعات، أبرزها الزيتون الذي بلغ إنتاجه مليوني طن، والحوامض بـ1.9 مليون طن، إضافة إلى التمور بـ160 ألف طن.
وبين التفاؤل الذي حملته أمطار هذا الموسم والتحفظ الذي تفرضه التغيرات المناخية، يظل الرهان قائماً على استثمار هذه المرحلة لتعزيز الاحتياطي المائي والاستعداد لمواسم قد تكون أقل سخاءً، في ظل معطيات مناخية غير مستقرة.
