الأراضي الرطبة.. رافعة للثقافة والترفيه والتعليم وحصن للتنوع البيولوجي  

تشكل الأراضي الرطبة إرثًا ثقافيًا مشتركًا للمجتمعات الإنسانية عبر مختلف العصور والحضارات، إذ لم تكن يومًا مجرد فضاءات طبيعية، بل احتضنت على الدوام أبعادًا رمزية وروحية وثقافية عميقة، وأسهمت في تشكيل أنماط العيش والمعرفة لدى الإنسان.

وتوفر معظم مواقع رامسار خدمات النظم البيئية الثقافية، حيث تحمل في طياتها قيمًا روحية وجمالية وحضارية مهمة. وأظهرت مراجعة منهجية عالمية للأبحاث المنشورة أن الأراضي الرطبة تقدم خدمات ثقافية في ما لا يقل عن 175 دولة وإقليمًا حول العالم. وتتصدر الترفيه والسياحة هذه الخدمات بنسبة 40%، تليها الهوية والتراث الثقافي بنسبة 16%، ثم التعليم والتعلّم والمعرفة بنسبة 13%.

وعبر الثقافات المختلفة، تُعد الأراضي الرطبة مناظر طبيعية ثقافية متصلة بالهوية والفن والروحانيات. وبالنسبة لعدد كبير من المجتمعات، تُعتبر أماكن مقدسة وموطنًا لأرواح الأسلاف، كما تُقام فيها الطقوس والاحتفالات، وتتجسد فيها مظاهر الحياة من خلال الأغاني والرقصات والمهرجانات والتقاليد الشفوية التي تحكي علاقتها العميقة بالماء والطبيعة.

وغالبًا ما تُستعمل الأراضي الرطبة كفضاءات تعليمية غير رسمية، حيث يتولى الشيوخ وكبار السن نقل المعارف البيئية المتوارثة إلى الأجيال الشابة، في عملية مستمرة لحفظ الذاكرة الجماعية وتعزيز الوعي البيئي.

غير أن هذه الأدوار الثقافية والبيئية تواجه تهديدات متزايدة بفعل التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة والمتسارعة التي شهدتها العقود الأخيرة، ما يفرض تحديات كبيرة على صون التراث الثقافي المرتبط بالأراضي الرطبة في مختلف أنحاء العالم.

وفي هذا السياق، تشكل معارف الشعوب الأصلية عنصرًا أساسيًا لفهم التغيرات البيئية. فعلى سبيل المثال، تُعد أراضي وأنهار وايكاتو في نيوزيلندا ذات أهمية ثقافية كبيرة للسكان الأصليين، ولا سيما قبيلتي ماوري ووايكاتو-تاينوي، حيث تعتبر الأراضي الرطبة مصدرًا للهوية الثقافية والغذاء، وتعتمد على مؤشرات بيئية موسمية موروثة لاكتشاف التغيرات في النظم البيئية.

وسجلت سنة 2018 ظهور أسماك الأنقليس المهاجرة في وقت غير معتاد، إذ تأخرت هجرتها لمدة ثلاثة أسابيع نتيجة اضطراب الإشارات الهيدرولوجية، وهو ما شكل إنذارًا مبكرًا بوجود اختلالات في تدفق المياه، قبل أن تؤكد ذلك التحاليل العلمية لاحقًا.

وتبرز هذه المعطيات الأهمية الحيوية للأراضي الرطبة باعتبارها قلب التنوع البيولوجي وخط الدفاع الأول في مواجهة التغيرات المناخية، وذاكرة ثقافية وبيئية لا تُقدّر بثمن.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...