إزالة اللبس والغبش ودحض الشبهات عن المرأة في الإسلام “الإرث، التعدد، نقص العقل، كيد النساء، رئاسة المرأة…”

الكاتب: إلياس بنعلي

يشمل هذا المقال على عدة محاور تزيل اللبس والغبش عن مكانة المرأة في الإسلام وعلاقتها بالرجل هل هي علاقة تكامل أم تفاضل من حيث المنزلة الإنسانية والمكانة الاجتماعية ومن حيث الحقوق والمسؤوليات العامة، وهي مقسمة على النحو التالي:

– قوامة الرَجُل: صفات الرجولة، آية اكتمال الرجولة
– حافظية المرأة
– إزالة اللبس في مسألة الميراث
– من حق المرأة تولي منصب رئاسة الدولة
– شبهة ضرب النساء
– مسآلة التعدد
– حجاب المرأة
– إزالة اللُبس عن الفهم الخاطئ لحديث “ناقصات عقل ودين”
– كشف اللبس عن شهادة المرأة
– كشف اللبس عن كيد النساء وكيد الرجال

الإسلام ساوى بين المرأة والرجل في الخصائص الإنسانية، والثواب، والعقاب، والتكاليف الشرعية، إلّا أنّه فرّق بينهما في الخصائص الجسدية، والنفسية، والعقلية، وهو عين العدل الذي لا تحققه المساواة المطلقة بجمعها بين المختلفين دائماً، والعدل شرعاً هو: وضع كلّ أمرٍ في الموضع الذي أراده الله له، فيكون التوازن الذي يؤتي كلّ طرفٍ حقّه دون ظلمٍ أو جور، وقد ساوى القرآن الكريم بين الذكر والأنثى والرجال والنساء من حيث المنزلة الإنسانية والمكانة الاجتماعية ومن حيث الحقوق والمسؤوليات العامة.

فالمرأة والرجل كلاهما في التكليف، والتشريف، والمسؤولية سواء، المرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعايته، والرجل راع في بيته، ومسؤول عن رعيته، يقول الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ..} (سورة البقرة، الآية: 228)، وقال رسول الله ﷺ: “…النساء شقائق الرجال”. (صحيح أبي داود)، فقد “جاء الإسلام.. وبين أن النساء شقائق الرجال، وأنهم سواء فى تكاليف العقائد والعبادات والأخلاق، وأنهم سواء فى استحقاق الثواب والعقاب بما يعانون من جهد فى سبيل الله، وأن الزعم بأن الذكورة تقدم صاحبها وأن الأنوثة تؤخر صاحبها لون من الكذب” (الإمام محمد الغزالي، الطريق من هنا)، وعن كثير بن عبيد قال: “كانت عائشةُ رضي اللهُ عنها إذا وُلِدَ فيهم مولودٌ (يعني من أهلِها) لا تسألْ: غلامًا ولا جاريةً، تقول: خُلِقَ سويًّا؟ فإذا قيل: نعم، قالت: الحمدُ لله ربِّ العالمينَ” (أخرجه البخاري في الأدب المفرد: 1256).

ومن حكمة الإسلام العليا أنه: “وضع الحدود بين المرأة والرجل فائتلفا، وأطفأ بالعدل والإحسان نار الخلاف بينهما، والخلاف بينهما هو أصل شقاء البشرية، ولا يتم إصلاح في المجتمع ما دام الخلاف قائمًا بين الجنسين، وما زالت الجمعيات البشرية من الرجال مختلفة النظر إلى المرأة، فبعضهم يرفعها إلى أعلى من مكانها فيُسقِطها ويسقط معها، ويعطيها أكثر من حقّها ومن مقتضيات طبيعتها فيفسدها ويفسد بها المجتمع، وبعضهم يحُطها عن منزلتها الإنسانية فيعدّها إمّا بهيمة وإما شيطانًا حتى جاء الإسلام فأقرّها في وضعها الطبيعي وأنصفها من الفريقين” (محمد البشير الإبراهيمي، الآثار 66-4).

فالعلاقة بين الذكر والأنثى قائمة على التكامل والانسجام والتناغم المتبادل بينهما، لا التفاضل والتخاصم، ولا يمكن أن يتبادلا الأدوار، فالذكر والد وأب، والأنثى والدة وأم، وهذا سيد الخلق وأفضلهم كان في خدمة أهله، وكان ﷺ القُدوةَ الحَسَنةَ لِهذه الأُمَّةِ، فكانَ أفضلَ النَّاسِ وأرحَمَهم وأرفَقَهم في مُعاملةِ أهلِه وعِشرتِه، فقد جاء في صحيح البخاري: “سَأَلْتُ عَائِشَةَ ما كانَ النبيُّ ﷺ يَصْنَعُ في بَيْتِهِ؟ قالَتْ: كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلى الصَّلَاة” (صحيح البخاري).

“خلق الله من كل شيء زوجين متقابلين، وبتقابلهما يصلح الكون وتستمر الحياة.. فلا ينبغي أن يتأنَّث الذكر، أو تتنكَّر الأنثى لأنوثتها.. يجب أن يحترم كل منهما طبيعته وفطرة وجوده.” (الإمام القرضاوي عبر الفايسبوك 01/10/2020)، و”المرأة لا هي أدنى، ولا هي أعلى، ولا هي تساوي الرجل، المرأة هي الوجه الثاني للإنسانية.” (مالك بن نبي)، “والشريعة لا تحابي رجلًا على امرأة، ولا امرأة على رجل، إن الشريعة لم تضعها لجنة من الرجال حتى تتحيز ضد النساء، ولكن وضعها الذي: {خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} (سورة النجم، الآية: 45)”. (الإمام القرضاوي عبر الفايسبوك بتاريخ 04/06/2020)، و”إنّ الإسلام لا يقيم -في سباق الفضائل- وزناً لصفات الذكورة والأنوثة، فالكلّ سواء في العقائد والعبادات والأخلاق، الكلّ سواء في مجال العلم والعمل والجدّ والاجتهاد، لا خشونة الرجل تهب له فضلاً من تقوى، ولا نعومة المرأة تنقصها حظّاً من إحسان، وفي القرآن الكريم: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} (سورة النساء، الآية: 124)”. (الإمام محمد الغزالي، كتاب قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة).

الإسلام جعل الإحسان إلى البنات والأخوات سببا مباشرا في دخول الجنة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ كَانَ لَهُ ثَلاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ”، (رواه البخاري).

“حال المرأة المؤمنة في الجنَّة، أفضل من حال الحور العين وأعلىٰ درجة وأكثر جمالًا، فالمرأة الصالحة من أهل الدنيا إذا دَخلت الجنة، فإنما تدخلها جزاءً علىٰ العمل الصالح، وكرامة من الله لها لدينها وصلاحها؛ أمَّا الحور التي هي من نعيم الجنة، فإنما خُلقت في الجنة من أجل غيرها، وجُعِلَت جزاءً للمؤمن علىٰ العمل الصالح، وشتان بين من دَخلت الجنة جزاء علىٰ عملها الصالح، وبين من خُلقت ليُجَازَىٰ بها صاحب العمل الصالح؛ فالأولىٰ: ملكة سيِّدة آمِرَة، والثانية: على عظم قدرها وجمالها – إلا أنها فيما يتعارفه الناس- دون الملكة، وهي مأمورة من سيِّدها المؤمن، الذي خلقها الله تعالىٰ جزاء له.” (تفسير القرطبي: 16/154).

عن ابن سيرين قال: “اختصم الرجال والنساء: أيهم أكثر في الجنة؟ وفي رواية: إما تفاخروا، وإما تذاكروا: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فسألوا أبا هريرة، فاحتج أبو هريرة على أن النساء في الجنة أكثر بقول الرسول ﷺ: “إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب”. (رواه مسلم)، والحديث واضح الدلالة على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال.

قوامة الرَجُل:

الرجولة قد تكون نوعا أو صفة أو نوعا وصفة معا، وعندما تكون صفة تطلق على الرجل والمرأة معا متى تحققت شروطها، ومعنى “ترجَّل فلان” أي سار على رجليه؛ اعتمادًا على نفسه، وليس على الدابة، قال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} (سورة الحج، الآية: 27)، ومنها: “الارتجال، ومعناه: الأداء بغير تحضير سابق؛ اعتمادًا على النفس.

فدلالة كلمة “رجل” لا تعني الذَّكَر إلا بقرينة تحدد الخطاب له، لأن كلمة “رجل” هي وصف حال، لا اسم نوع، وهي تدل على الترجل والسعي والمبادرة وحمل المسؤولية، وذلك يتحقق بالذكر أو الأنثى على حد سواء، فالمرأة العاملة، غير المرأة العاطلة عن العمل، فمن يحمل المسؤولية والمبادرة والسعي يكتسب صفة الرجولة سواء أكان ذكراً أم أنثى! فالرجولة مقام لا نوع.

وفعل “قام” يقوم الأصل فيه قام بخدمة غيره، وقضاء مصالحه، وليس ذلك المعنى غريبا عن واقع الحال، فإن الله سبحانه وتعالى جعل المرأة معلقة في رقبة الرجل في أحوالها الأربعة: أما، وأختا، وزوجة، وابنة.

قوامة الرَجُل مسؤولية حماية المرأة وصيانتها وجلب المصالح لها كيفما كانت نسبتها إلى الرجل وقرابتها منه، وفي أحوالها الأربعة: أما، وأختا، وزوجة، وابنة، القوامة مسؤولية ورعاية أوكلها الله تعالى للرجل، لما أودع فيه صفات فطرية كقوة العضل ورباطة الجأش وقدرة الكسب، وبالتالي فهي ليست ترجيحا لكفة الرجل وإنما تثقيل لميزانه بمثاقيل المسؤولية.

شرط القوامة النفقة والرعاية والقيام بالأمر، معاني لا تنفك عن معنى السكينة والمودة، والمعاشرة بالمعروف لا تتأتى بتحقيق الكفاية من الطعام والشراب والملبس والمسكن فقط، بل الأمر أعمق من ذلك، مشاعر دافئة متبادلة، وإحساس بالمسؤولية العظمى الملقاة على عاتقهما.

قال تعالى: {إذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} فقد انطلق سيدنا موسى عليه السلام في ليلة باردة ومظلمة يلتمس لأهله الدفء فخلّد القرآن الكريم نيته… قوامة الرجل خدمته لأهله وعدم تعريضهم للهلاك.

يقول الله تعالى: {فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ} (سورة طه، الآية: 117)، و”قال سبحانه: {فَتَشْقَى} ولم يقل فتشقيا كما قال {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا}… لأنه هو الذى يعود عليه التعب إذ هو المكلف بأن يقدم لها ما تحتاجه من مطالب الحياة، كالمسكن والملبس والمطعم والمشرب”. (الوسيط للطنطاوي)، “لم يقل : “فتشقيا” رجوعا به إلى آدم، لأن تعبه أكثر فإن الرجل هو الساعي على زوجته” (تفسير البغوي)، “واقتصر على شقائه لأن الرجل يسعى على زوجته”. (تفسير الجلالين).

“على المرأة المسلمة تصحيح نظرتها إلى “قوامة الرجل” وعدم الانجرار وراء من جعلوا لها قضية وهمية تصارع عليها.. نعم أكرمني ربي إذ جعل أخي وأبي وزوجي وابني مُلزما بالخروج لشراء ما أريد، ومُلزما بأن يُرافقني في سفر ويخدمني في مرض، القوامة تكليف للرجل وتشريف للمرأة”. (الكاتبة الأردنية إحسان محمود الفقيه عبر تويتر 05/08/2019).

صفات الرجولة:

“إن المتأمل في القرآن الكريم يجد لفظة الرجولة ذكرت في سبعة وخمسين موضعا، بألفاظ متعددة، تارة أريد بها النوع وتارة أريد بها الصفة، وأخرى أريد بها النوع والصفة معا، أما بالنسبة للنوع، فقد قصد بها الذكورة، قال تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (سورة النساء، الآية:01)، وعندما أراد الصفة، أي توافر صفات الرجولة في الذكر فقد قال تعالى: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عَلَيْهِ فَمنهم من قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدلُوا تَبْدِيلًا} (سورة الأحزاب، الآية: 23).. من المؤمنين تفيد التبعيض، أي ليس كل ذكر رجل، وإنما كل رجل ذكر فلم يرد النوع، أي الذكورة، وإنما أراد الصفة كالصدق والوفاء بالعهد، ولم يهادن ولم ينافق ولم يتنازل عن دينه وثوابته.. واتصف بصفات الرجولة، وأراد النوع والصفة بالرجولة في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (سورة النساء، الآية: 34)، فالمراد بالرجال في النص القرآني أي الذكور الذين يتصفون بالقوامة والإنفاق على النساء، وتحمل المسؤولية في الحفاظ عليهن وتوفير سبل العيش الشريف لهن مهما كانت التكاليف.

وقد يظن بعض الرجال بالقوامة التحكم والسيطرة على النساء في البيت بينما تختلف كليا عن ظنهم هذا، فمعناها القائمون على خدمة أمور النساء بما يرضي الله سبحانه وتعالى.. الرجولة ليست بالمال والجسم والجاه وإنما الرجولة هي قوة إيمانية روحية تكمن في النفس فتحمل صاحبها إلى التحلي بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور، وتبعده عن المنكرات وكل سفاسف الحياة، والرجولة تجعل الصغير كبيراً في سلوكه مع الآخرين، وقوياً في ضعفه وغنياً في فقره، وأن يؤدي واجبه نحو نفسه ونحو ربه ونحو أمته ودينه ووطنه”. (مجلة الجامعة الإسلامية بغزة، الرجولة في القرآن الكريم، د، عصام العبد زهد، المجلد 18، العدد الثاني، ص: 179-213).

من صفات الرجولة التعلق بالمساجد: قال تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} (التوبة: من الآية 108)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ورجل قلبه معلق بالمساجد..” (متفق عليه).
من صفات الرجولة التعلق بالآخرة: قال تعالى: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} (سورة النور، الآية: 37)، فأولوية الرجال الإعداد والاستعداد للآخرة.
من صفات الرجولة طهارة القلوب والأبدان: فالرجال أطهار القلوب، أطهار الأبدان، قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} (سورة التوبة، الآية: 108).
من صفات الرجولة الصدق: قال تعالى: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (سورة الأحزاب، الآية: 23).

آية اكتمال الرجولة:

“التلطف مع الإناث والرفق بهن، آية اكتمال الرجولة وتمام فضائلها، وهو أدب يبذل للنساء عامة سواء كن قريبات أم غريبات، كبيرات أم صغيرات، مع استقامة الفطرة الإنسانية قلما يتخلف هذا المسلك العالي.” (محمد الغزالي، من ملامح المنهج الدعوي عند الغزالي للدكتور وصفي عاشور أبو زيد – إسلام أون لاين).

حافظية المرأة:

بالمقابل خص القرآن الكريم النساء بالحافظية: يقول الله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله} (سورة النساء، الآية 34) وحافظية المرأة لا تقصر على حفظ حقوق الزوج بل تشمل كل حقوق الله المكلفة بها الزوج، حافظية الصالحات القانتات في المجتمع المسلم لا تقتصر على شغل بيوتهن وإرضاء أزواجهن، بل تنطلق أولا من إرضاء الله عز وجل وترجع إليه، و”الحفظ استمرار واستقرار هما قطب السكون في الحياة الزوجية وحياة المجتمع، النساء بفطرتهن يحفظن استمرار الجنس البشري بما هن محضن للأجنة، وحضن للتربية، ومطعمات، وكاسيات ومدبرات لضرورات معاش الأسرة، هن المحضن لأجسام الأنام، والراعيات لحياتهم، والوصلة الفطرية بين أطراف البشرية، والواسطة بين جيل وجيل.” (الإمام ياسين، تنوير المؤمنات، ج2، ص90).

الإسلام أول من حرَّر المرأة وأنصفها وكرمها: إنسانا وأنثى وبنتا وزوجة وأُمّا وعضوا في المجتمع، كما يسوي بينهما في الوظائف الاجتماعية والسياسية: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ …} (سورة التوبة، الآية:71).

“ومما فضَّل الله النساءَ به على الرجال: ثلاث أرباع البر أمًّا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن أَحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قالَ: “أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ”. (رواه مسلم)… لها التمتع بالذهب والحرير دون الرجال: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: “الحريرُ والذهبُ حرامٌ على ذكورِ أمتي حلالٌ لإناثِها” (صحيح ابن حزم)… لها أجر الحجاب دون الرجال… لها أجرُ الحمل، والولادة، والإرضاع، وكل هذا دون الرجال.” (الإمام وائل الزرد الأستاذ الجامعي بالجامعة الإسلامية بفلسطين، موقع منار الإسلام).

إزالة اللبس في مسألة الميراث:

نظام الميراث فى الإسلام فيه حِكَم إلهية بالغة، ومقاصد ربانية سامية، بني على قواعد ومعايير منها: معيار درجة القرابة بين الوارث والموروث، ومعيار موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال، فالأجيال التى تستقبل الحياة، وتستعد لتحمل أعبائها، عادة يكون نصيبها فى الميراث أكبر من نصيب الأجيال التى تستدبر الحياة، فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه ـ وكلتاهما أنثى ـ وترث البنت أكثر من الأب! حتى لو كانت رضيعة، والمعيار الثالث هو العبء المالي الذى يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله، والقيام به حيال الآخرين، وهذا هو المعيار الوحيد الذى يثمر تفاوتا بين الذكر والأنثى، من منطلق أن الرجال أكثر تحملا لأعباء النفقة المالية، ففي حالة ما إذا تساوى الوارثون فى درجة القرابة، وتساووا فى موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال، يكون تفاوت العبء المالي هو السبب فى التفاوت فى أنصبة الميراث، “فالإسلام يُلزِم الرجل بأعباء ونفقات مالية لا تُلزَم بمثلها المرأة كالمَهر، والسكن، والنفقات على الزوجة والأولاد… أما المرأة فليس عليها شيء من ذلك، لا النفقة على نفسها، ولا النفقة على زوجها، ولا النفقة على أولادها، وبذلك أكرمها الإسلام حين طرح عنها تلك الأعباء، وألقاها على الرجل، ثم أعطاها نصف ما يأخذ الرجل، فمالها يزداد، ومال الرجل ينقص بالنفقة عليه وعلى زوجته وأولاده”. (موسوعة الفقه الإسلامي، ص 214/271 للإمام وهبة الزحيلي).

فيختلف نصيب الميراث باختلاف درجة القرابة بين الوارث وموقع الجيل الوارث، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين، فالبنت ترث أكثر من الأم -وكلتاهما أنثى- بل وترث أكثر من الأب! والابن يرث أكثر من الأب وكلاهما من الذكور!

فهناك سبع حالات ترث المرأةُ نصيباً مساوياً لنصيبِ الرجل (مثال: إذا ترك الميتُ بنتاً وابن ابن، فنصيب البنت هو النصف فرضاً، وابن الابن يأخذ ما بقي تعصيباً،وهو النصف، فالبنت أخذت نصيباً مساوياً لنصيب ابن الابن)، وهناك ثماني حالات ترث فيها المرأةِ أكثرَ من نصيبِ الرجل (مثال: إذا ترك الميتُ أماً وأختاً شقيقةً وأخاً لأب، فتأخذ الأمُّ السدس فرضاً، وتأخذ الأختُ الشقيقة النصف فرضاً، ويأخذ الأخ لأب الباقي تعصيباً، وفي هذه الحالة يكون نصيب الأخت الشقيقة أكبرُ من نصيب الأخ لأب)، وأربع حالات ترث فيها المرأةُ ولا يرثُ الرجلُ (مثال: إذا ترك الميتُ بنتاً وأخاً لأمٍ، فإن البنت تحجب الأخ لأم، ولا يرثُ شيئاً بسببها)، وفي أربع حالات فقط ترث المرأةُ نصفَ نصيب الرجل!

فلماذا يركز الذين يحاولون انتقاد نظام المواريث في الإسلام على هذه الحالات الأربع دون غيرها؟!

ومما سبق يتبين أن اختلاف نصيب الميراث يكون حسب العبء المالي الذي يوجبه الشرعُ على الوارث القيامَ به حيال الآخرين، وبذلك يكون الإسلام قد ميَّز الأنثى على الذكر في الميراث، لا ظلماً للذكر، وإنما لتكون للأنثى ذمةٌ ماليةٌ تحميها من طوارئ الأزمان والأحداث.

فعكس الشرائع الأخرى المرأة لم تكن ترث، وإنما كان الميراث للأبناء الذكور فقط! وكذلك كان حالُ المرأة قبل الاسلام فلم تكن ترث، بل كانت تُورَث، مثَلُها في ذلك مثلُ الأنعام وغيرها من الممتلكات، (تفسير السعدي ص165).

“وفي الإرث لا أحد أولى من الآخر، وليس أحد أحق بالإرث من الآخر، ولا أحد ولي على الآخر، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، والواجب هو التعجيل بتقسيم الإرث كما يتم تعجيل الدفن، إلا بوجود مانع أو ضرورة (إداري، أو عدم حصر التركة، أو انتظار مولود لم يحدد جنسه بعد..)، فلا فائدة من التأخير، فالتأخير يُعقِّد القسمة ويكون فيه هضم للحقوق وأكل أموال الناس بالباطل، وقد يموت أحد الورثة فتتعقّد القسمة وتتحول إلى مناسخة، والأصل في القسمة أن تكون بمراضاة بلا تقويم ولا تعديل، وإذا تعذر ذلك تكون القسمة بمراضاة مع تقويم وتعديل، والقسمة الثالثة والأخيرة هي قسمة مشاحاة وتشدد وهي القسمة بالقُرعة، يلجأ إليها الذين لا يتفاهمون فيما بينهم بسبب كثرة الورثة أو لوجود خلافات بينهم، ومن حق أحد الورثة أن يتنازل عن حقه في منزل أمه أو أخته حفاظا على لحمة الأسرة وتماسكها من التفكك، فالشريعة عدل وإحسان، فلا بد من الأخذ بعين الاعتبار رحمة الإسلام وعدالته وأخوته”. (الداعية والأستاذ الجامعي عضو المجلس العلمي الأعلى بالمغرب الدكتور مصطفى بن حمزة في مسألة التعجيل بتقسيم الإرث، القناة الرسمية عبر اليوتوب).

وما سوى ذلك من سطو على التركة الموروثة أو استغلالها هو محرم ولا بركة فيه وهو أكل لأموال اليتامى، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (النساء، الآية: 10)، فجاءت هذه الآية في سورة النساء وجاءت وسط آيات الإرث، فهي تحذير وتنبيه من أكل أموال الغير بمبررات واهية وباطلة، ذكر ابن كثير في تفسير الآية: “وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم”، وقال السعدي في تفسير {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} أي: “نارًا محرقة متوقدة، وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر، نسأل الله العافية”.
وقال الإمام الطنطاوي في تفسير الآية: “وقوله {ظُلْماً} أي يأكلونها على وجه الظلم سواء أكان الآكل من الورثة أم من أولياء السوء من غيرهم”، وقد حذر رسول الله ﷺ من تضييع حق اليتيم والنساء فقال: “إِنَّي أُحَرِّجُ عليكم حقَّ الضعيفينِ: اليتيمُ، والمرأةُ” (صحيح الجامع: 2447).

“إن الإسلام كلف الرجل بما لم يكلف به المرأة فهو المسؤول عن نفقتها ونفقة عياله وحتى أخواته إذا لم يكن لهن معيل، بينما لم يكلف الشرع المرأة بأية مسؤوليات، فالمال الذي ترثه من أبيها يبقى لها وحدها لا يشاركها فيه مشارك، فنصيب الابن معرض للنقص بما ألقى عليه الإسلام من التزامات متوالية متجددة، ونصيب البنت معرض للزيادة بما تقبض من مهور وهدايا”. (الأستاذة الجامعية د.نهى قاطرجي بكلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في لبنان وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، موقع صيد الفوائد، شبهات حول حقوق المرأة في الإسلام)

من حق المرأة أن تتولى منصب رئاسة الدولة:

أكد الإمام القرضاوي أنه يجوز شرعا تولي المرأة رئاسة الدولة ما دامت المرأة لديها مؤهلات وكفاءة لهذا المنصب، فلا بأس أن تتولى المرأة ولاية أية دولة من دول المسلمين لأن هذه ليست هي الولاية العظمى، وإنما الولاية العظمى هي الخلافة التي ينضوي المسلمون جميعاً تحتها، والمرأة في بعض الأحيان يكون رأيها أكثر سدادًا من الرجل، ولعل قصة أم سلمى حينما استشارها النبي ﷺ فأشارت عليه بالرأي السديد في قصة الحديبية خير دليل.

إن القرآن حينما جعل شهادة امرأتين في أمور المعاملات المالية، تقوم مقام شهادة رجل واحد، لم يقصد الانتقاص من قدر المرأة أو التقليل من أهليتها، وإنما أراد الاستيثاق بحقوق الناس، وهذا جاء في آية معروفة في القرآن اسمها آية المداينة، وهي أطول آية في القرآن الكريم، ونزلت هذه الآية الطويلة في شأن واحد هو توثيق الدين، حتى لا يتناكر الناس الحقوق وتضيع الديون على أهلها {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب} كما أكد ذلك الإمام القرضاوي.

القرآن الكريم ذكر لنا امرأة حكمت الرجال حكمًا عادلاً عاقلاً، وانتهت بهم إلى خيري الدنيا والآخرة، وهي ملكة سبأ “بلقيس”، فحينما جاءها الخطاب من سيدنا سليمان {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} قالت: {يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون} امرأة شورية تستشير في كل شيء، قالوا لها: {نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} فوكلوا لها الأمر، ونظرت في الأمر بغاية الحكمة وحسن التدبير، وانتهت إلى أنها لم تدخل المعركة وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.

“إن امرأة تحكم ومعها جهاز شورى دقيق أقرب إلى الله، وأحنى على الناس من مستبد يقف الغراب على شواربه، ويزعم أنه أحاط بكل شيء علما، وهو لا يدري شيئا، لقد وصف القرآن الكريم المرأة التي حكمت في نطاق الشورى، وسجل كلمتها لقومها: {ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون}، إنها تستفيد من كل خبرة، وتناقش القضايا على رؤوس الأشهاد لا بالهمس الجانبي والتآمر المريب، وبهذا المسلك لا تقبر فكرة، ولا يتوارى رأي، بل تستفيد الشعوب من كل قدرة نفسية أو عقلية.” (الإمام محمد الغزالي، كتاب علل وأدوية).

“الإسلام لم يفرق بين المرأة والرجل في ممارسة الحقوق السياسية فهما على قدم سواء، وبالنسبة لتولي المرأة أماكن الصدارة والرئاسة إذا توافرت فيها الشروط التي تؤهلها لذلك فقد انعقد إجماع الأمة…. إن الضعف البشري يعتري الرجال والنساء جميعًا، والعبرة بالعاقبة، ولماذا لا يذكر هنا مشورة أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم في يوم الحديبية، وقد كان من ورائها الخير والمصلحة؟

بل لماذا لم يذكر ما ذكره القرآن عن امرأة حكمت قومها بالعقل، وساستهم بالحكمة، وقادتهم في أحرج الأوقات إلى ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة؟ ألا وهي ملكة سبأ، التي لخصت لقومها ما يصنعه الفاتحون المستعمرون إذا دخلوا بلدًا بعبارة في غاية الوجازة والبلاغة: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ}. (سورة النمل، الآية: 34).” (الإمام القرضاوي، المرأة والعمل السياسي، الموقع الرسمي).

“أجاز المسلمون من غير نكير للمرأة في عصرنا أن تخرج من بيتها للتعلم في المدرسة، ثم في الجامعة، وأن تذهب إلى السوق، وأن تعمل خارج بيتها معلمة وطبيبة وممرضة، وغير ذلك من الأعمال المشروعة، في إطار الشروط والضوابط الشرعية، على أن الآية الكريمة : {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} لم تمنع أم المؤمنين، أفقه نساء الأمة، عائشة رضي الله عنها، أن تخرج من بيتها، بل من المدينة المنورة، وأن تسافر إلى البصرة على رأس جيش فيه الكثير من الصحابة، وفيهم اثنان من العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة المرشحين للخلافة، أصحاب الشورى: طلحة والزبير، تطالب بما تعتقد أنه حق وصواب.. شرعية الخروج للمرأة من بيتها إذا التزمت الحشمة والأدب ولم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، فالنهي عن التبرج يفيد أن ذلك خارج البيت، فالمرأة في بيتها لا حرج عليها أن تتزين وتتبرج، فالتبرج المنهي عنه إذن لا يكون إلا خارج البيت.
..يمكن بهذا أن تكون وزيرة، ويمكن أن تكون قاضية، ويمكن أن تكون محتسبة احتسابًا عامًّا، وقد ولى عمر بن الخطاب الشفاء بنت عبد الله العدوية على السوق تحتسب وتراقب، وهو ضرب من الولاية العامة”. (نفس المصدر).

“وذهب الإمام أبو حنيفة – والكلام لمفتي مصر – فيما نسب إليه إلى أن المرأة يجوز لها أن تتولى القضاء، فيما يجوز لها أن تشهد فيه، وذهب الإمام ابن جرير الطبري بجواز أن تتولى المرأة القضاء بإطلاق، فيما نسب إليه أيضاً، وهذا الرأي قال به أيضاً ابن حزم وابن القاسم من المالكية، رعاية الأسرة أما الدكتورة سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، فتؤيد الرأي الذي يجيز تولي المرأة المناصب العامة والقيادية، وبخاصة قيادة دولة، لأن هذا المنصب ليس من الإمامة الكبرى أو ما يسمى الولاية العامة في الإسلام، ويجوز شرعاً أن تتقلد المرأة المناصب القيادية- بشرط ألا يؤثر ذلك على دورها في رعاية أفراد أسرتها.”

لا تستطيع الأمة أن تخطو خطوة إلى الأمام ونصف المجتمع مُجَهل مُعَطل، لأن مصير الأمة مرهون بجهود المرأة في التعبئة والبناء وحَمْل العبء دعما لشقائقهن الرجال، قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (سورة التوبة، الآية: 71)، “والمرأة المومنة كالرجل المومن نصيبها من المسؤولية السياسية مثل نصيبه” (الإمام ياسين، تنوير المؤمنات، ص: 303/2).

فالمرأة اليوم مطالبة بالسعي إلى جانب الرجل من أجل استرجاع حقوقها التي سلبتها إياه التقاليد الرجعية والظلم المتمثل في الاستبداد الجاثم عل الصدور، وكذا الدعوات الغربية المغرية المبشرة بالإباحية، فلا مناص من الاستلهام من نموذج الصحابيات الجليلات لطلب الكمالات وإحياء الأمة.

شبهة ضرب النساء:

يقول الله تعالى: {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} (النساء، الآية: 34)، فالآية تحض على الوعظ ثم الهجر في المضجع والاعتزال في الفراش، أي لا يجمع بين الزوجين فراش واحد، وإن لم يُجْدِ ذلك ولم ينفع، فهنا “الضرب” بمعنى المباعدة والهجران والتجاهل، وهو أمر يأخذ به العقلاء من المسلمين، وهو سلاح للزوج والزوجة معاً في تقويم النفس والأسرة والتخلص من بعض العادات الضارة التي تهدد كيان الأسرة التي هي الأساس المتين لبناء المجتمع، التعامل مع المرأة الناشز، أي المخالفة يكون بالوعظ والكلام الحسن والنصح والإرشاد، فإن لم يستجبن: فيكون الهجر في المضاجع أي في أسرّة النوم وهي طريقة العلاج الثانية ولها دلالتها النفسية والتربوية على المرأة والهجر هنا في داخل الغرفة.

أما {واضربوهن} فهي ليست بالمدلول الفعلي للضرب باليد أو العصا لأن الضرب هنا هو المباعدة أو الإبتعاد خارج بيت الزوجية، ومعنى كلمة “ضرب” في القرآن الكريم وفي صحيح لغة العرب تعني المفارقة والمباعدة والإنفصال والتجاهل في أغلب الأحيان، خلافاً للمعنى المتداول الآن لكلمة “ضرب”، فمثلا الضرب باستعمال عصا يستخدم له لفظ “جلد”، والضرب على الوجه يستخدم له لفظ “لطم”، والضرب على القفا “صفع” والضرب بقبضة اليد “وكز” والضرب بالقدم “ركل”، وفي المعاجم وكتب اللغة والنحو كلمة ضرب جاءت على عدة معاني منها: النبض والحركه والعزف، ضرب الأرز أي قشره، ضربت عينه أي غارت فى وجهه، ضرب الرجل فى الأرض أي سافر وابتعد، ويقال ضرب الفحل الناقه أي جامعها، وضرب الدهر بين القوم أي فرّق وباعد بينهم، وضرب عليه الحصار أي عزله عن محيطه، وضرب عنقه أي فصلها عن جسده، وإضرب عن الطعام أؤ امتنع عنه وتركه، والإضرابات فى الجامعات أو المعامل، فكل معناها هى ترك العمل أو الدراسة أو إهمالهما، فالضرب إذن يفيد المباعدة والإنفصال والتجاهل.

وقد نهى رسول الله ﷺ عن ضرب النساء فقال: “لا تضربوا إماء الله..” (صحيح أبي داوود)، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “ما ضَرَبَ رسول الله ﷺ شيئًا قَطُّ بيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا…” (صحيح مسلم)، والحكمة تقول أن الأنثى تستحق رجلا ينافس أباها في تدليلها، وليس رجلا ينافس مشاكل الحياة في تذليلها! يقول جل وعلا: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} السكن والمودة والرحمة، مشاعر هي الأصل في العلاقة الزوجية لا المشاحنات والمشاجرات والأحقاد، قال رسول الله ﷺ: “..وخياركم خياركم لنسائهم”، (رواه الترمذي، حديث حسن صحيح)، فالإيمان يعظم ويكمل بكمال الأخلاق، وبالتلطف بالأهل والتعامل معهم بالإحسان.

والبنات أفضل الكائنات، قال يعقوب بن بُختان: وُلِدَ لي سبعُ بنات، فكنتُ كلَّما وُلِدَ لي ابنةٌ دخلتُ على أحمد بن حنبل، فيقول لي: “يا أبا يوسف! الأنبياء آباء بنات”. فكان يُذهِبُ قولُه هَمِّي! (تحفة المودود لابن القيم)، وقال الإمام الألوسي”المعهودُ مِنْ ذوي المروءة جبر قلوبّ النساء لضعفِهِنَّ وَلِذا يُندبُ للرجلِ إذا أعطى شيئًا لولدهِ أَنْ يبدأ بِأنثاهِم.” (تفسير الألوسي)، قال رسول الله ﷺ: “سوُّوا بين أولادكم في العطيَّةِ فلو كنتُ مفضِّلًا أحدًا لفضلتُ النساءَ”. (حديث حسن، فتح الباري لابن حجر 5/253).

وقد حث الإسلام على العدل بين الأولاد في النفقات والهبات والهدايا، واعتبر تفضيل أحد الأبناء على الآخر بالصدقات أو بعض الممتلكات جورا وظلما، فعنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : “تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبعض مَالِهِ، فقالت أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رسول الله ﷺ، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النبي ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رسول الله ﷺ: أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قال: لا، قال: “اتَّقُوا الله وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ” فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ”. (متفق عليه)، وصح عن الحسن أنه قال: كان رجل عند النبي فأقعد ابناً له على فخذه اليمنى، ثم جاء ابنه الآخر فأقعده على الأرض فقال النبي ﷺ: (لو سوّيت بينهما على فخذك). (الطريفي).

و”هذا الحق أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ” اتَّقُوا الله وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ ” (متفق عليه)، فلا يجوز تفضيل الإناث على الذكور، كما لا يجوز تفضيل الذكور على الإناث، كان أهل الجاهلية يفضلون الذكر على الأنثى، وكانوا يغضبون إذا بشروا بولادة الأنثى، كما أخبر الله عز وجل في كتابه حيث قال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} (سورة النحل، الآية:58)، فإذا بُشّر بالإناث تمعّر وجهه وتغير، وكأنه يُبشر بسوء، نسأل الله السلامة والعافية؛ فلذلك أدب الله عز وجل المسلمين على الرضا بقسمة الله عز وجل، يرضى الإنسان بالولد ذكراً كان أو أنثى، إذاً كما قلنا: لا يفضل الإناث على الذكور ولا الذكور على الإناث، وإنما يعدل بين الجميع.

كان السلف رحمهم الله يعدلون بين الأولاد حتى في القُبلة، فلو قبل هذا: رجع وقبل هذا، حتى لا ينشأ الأولاد وبينهم الحقد؛ ولذلك قالوا: إن التفضيل يؤدي إلى مفاسد، أولها: أن يكون ضرر التفضيل على الوالد نفسه؛ فإنه ينشأ الأولاد على حقد وكراهية للوالد، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله في الحديث الصحيح لـ بشير بن سعد الأنصاري والد النعمان بن بشير: “..أليسَ يَسرُّكَ أن يَكونوا إليكَ في البِرِّ سَواءً؟ قالَ: بلَى..” (صحيح النسائي)، أي إذا كنت تريدهم أن يكونوا لك في البر سواء فاعدل بينهم، وكن منصفاً فيما تسدي إليهم.” (محمد بن محمد المختار الشنقيطي، كتاب فقه الأسرة، ص: 07).

قال رسول الله ﷺ: “لا تكرهوا البنات، فإنَّهنَّ المؤنسات الغاليات”. (السلسلة الصحيحة: 3206)، فالابنة قرة عين أبيها، وروح فؤاده، صديقته بلا شبهة، وحبيبته بلا غيرة، ورفيقة عمره المضمونة، هي سبب الرزق وخادمة والديها في الصغر والكبر، وسبيلهما إلى الجنة، قال الله تعالى: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} (سورة الكهف، الآية: 81)، وذكر الإمام البيضاوي في تفسير الآية: “{وَأَقْرَبَ رُحْماً} رحمة وعطفاً على والديه، قيل ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت له نبياً هدى الله به أمة من الأمم” (تفسير أنوار التنزيل، للإمام البيضاوي)، وذكر هذا العديد من أئمة التفسير كالقرطبي وابن كثير والطبري والسيوطي..

مسألة التعدد:

الأصل في الإسلام أن يتزوج الرجل بواحدة، والتعدد مباح كاستثناء لأسباب خاصة، ومقيد بشروط تحتاج لرخصة إذا انتفت بطلت الرخصة، والتعدد قد يلحق الأذى بالزوجة والأبناء، والإسلام لم يأتي بالتعدد، بل جاء بوضع حد للتعدد! قال رسول الله ﷺ: “من كان له امرأتانِ، يميلُ لإحداهُما على الأُخرى، جاء يومَ القيامةِ، أحدُ شقيْهِ مائلٌ”، (صحيح النسائي)، يُبعث من لم يعدل بين أزواجه مائلا يوم القيامة، فيأتيه العقاب من جِنسِ فِعلِه، فيأتي مائِلًا بحيثُ يَراه أهلُ العَرَصاتِ ليَكونَ هذا زيادةً في التَّعذيبِ، و”مسألة تعدد الزوجات تشهد ظلما للمرأة وللأولاد في كثير من الأحيان، وهي من الأمور التي شهدت تشويها للفهم الصحيح للقرآن الكريم والسنة النبوية”. (شيخ الأزهر أحمد الطيب عبر تويتر)، و”ظلم المرأة عند الله أشد من ظلم الرجل، لأن انتصار الله للضعيف بمقدار عجز الضعيف عن نصرة نفسه، قال ﷺ: “إني أُحرِّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة”. (صحيح الجامع: 2447)”. (الشيخ عبد العزيز الطريفي عبر تويتر: 12/02/2017)، والزواج بأخرى في حد ذاته ضرر بالأولى، ولذا تسمى الزوجات ضرائر والواحدة ضرة لما يدخل بسببها من ضرر على الأخرى.

وأكد شيخ الأزهر أن: “من يقولون إن الأصل في الزواج هو التعدد مخطئون.. فإن الأصل في القرآن هو {فإن خِفتُم ألا تعدلوا فواحدة} (سورة النساء، الآية: 03)… علينا أن نقرأ الآية التي وردت فيها مسألة تعدد الزوجات بشكل كامل، فالبعض يقرأ {مثنى وثلاث ورباع} (سورة النساء، الآية: 03)، وهذا جزء من الآية، وليس الآية كاملة، فهناك ما قبلها وما بعدها”. (شيخ الأزهر أحمد الطيب، الفضائية المصرية 2019)، وسُئل شيخ الأزهر: “هل المسلم فعلا حر في أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة على زوجته الأولى؟ أم أن هذه الحرية مقيدة بشروط؟ بمعنى أن التعدد حق مقيد أو نستطيع أن نقول إنه رخصة، والرخصة تحتاج إلى سبب، وإذا انتفى السبب بطلت الرخصة… التعدد مشروط بالعدل وإذا لم يوجد العدل يحرم التعدد، وبيّن أن العدل ليس متروكا للتجربة فيتزوج الشخص بثانية فإذا عدل يستمر وإذا لم يعدل فيطلق، وإنما بمجرد الخوف من عدم العدل يحرم التعدد، فالقرآن يقول {فإن خِفتُم ألا تعدلوا فواحدة}.” (نفس المصدر)، يقول ابن عاشور في تفسير الآية: “{فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} أي ذلك أسلم من الجور، لأنّ التعدّد يعرّض المكلّف إلى الجور وإن بذل جهده في العدل، إذ للنفس رغبات وغفلات، وعلى هذا الوجه لا يكون قوله: {أدنى ألا تعولوا} تأكيداً لمضمون {فإن خفتم ألا تعدلوا} ويكون ترغيباً في الاقتصار على المرأة الواحدة.. إذ هو سدّ ذريعة الجور.” (تفسير ابن عاشور).

فيما بين الإمام الشعراوي سبب كره الزوجة للتعدد فقال: “لماذا تكره الزوجة التعدد؟ لأنها وجدت أن الزوج إذا ما تزوج واحدة عليها التفت بكليته وبخيره وببسمته وحنانه إلى الزوجة الجديدة، لذلك فلابد للمرأة أن تكره زواج الرجل عليها بإمرأة أخرى.. يجب أن ننتبه إلى حقيقة وهي: أن التعدد لم يأمر به الله، وإنما أباحه… من حق الزوجة أن تشترط ساعة زواجها ألا يتزوج زوجها بامرأة أخرى، ذلك أن من حقها أن تشترط في عقد الزواج ما تشاء”. (الإمام الشعراوي، المرأة في القرآن الكريم).

وأشار الإمام الشعراوي إلى الفهم الخاطئ الذي يعتقده كثير من الناس أن الإسلام جاء بالتعدد، والصحيح أنه جاء بوضع حد للتعدد، فقال: “لم يجئ الإسلام بمبدأ التعدد، لأنه جاء والتعدد أمر قائم… فقد كان التعدد قائما قبل الإسلام، ولقد جاء الإسلام يحدد التعدد، ويقصره على أربع… فالذين لا يفهمون هم الذين يرمون الإسلام بأنه جاء بالتعدد، والحق أنه جاء بوضع حد للتعدد”. (الفتاوى كل ما يهم المسلم، ص:437).

حجاب المرأة:

الحِجَاب طاعة لأمر الله تعالى وليس رمزًا دينيًا، وليس من اجتهاد الفقهاء، ولا من ابتداع المسلمين، الحجاب أمر قرآني، يقول الله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن…} (سورة النور، الآية: 31)

“إخفاء الأيدي فى القفازات وإخفاء الوجوه وراء هذه النُقُّب (جمع نقاب)، وجعل المرأة شبحا يمشي فى الطريق معزولا عن الدنيا، فذاك ما لم يأمر به دين.. وأسأل القائلين بالنقاب: إنكم تعلمون أن مذهبكم رأي لم تجنح إليه كثرة المفسرين والمحدثين والفقهاء، فماذا عليكم لمصلحة الإسلام أن تتركوه ترجيحا لمصلحة أهم وتجنباً لضرر أفدح؟” (الإمام محمد الغزالي، كتاب قضايا المرأة بين التقاليد الرافدة والراكدة).

“أجمع المسلمون على شرعية صلاة النساء في المساجد مكشوفات الوجوه والكفين -على أن تكون صفوفهن خلف الرجال، وعلى جواز حضورهن مجالس العلم، كما عرف من تاريخ الغزوات والسير أن النساء كن يسافرن مع الرجال إلى ساحات الجهاد والمعارك، يخدمن الجرحى، ويسقينهم الماء، وقد رووا أن نساء الصحابة كن يساعدن الرجال في معركة “اليرموك”.

كما أجمعوا على أن للنساء المحرمات في الحج والعمرة كشف وجوههن في الطواف والسعي والوقوف بعرفة ورمي الجمار وغيرها، بل ذهب الجمهور إلى تحريم تغطية الوجه -بِبُرقع ونحوه- على المحرمة لحديث البخاري وغيره: “لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، ولَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ” (صحيح البخاري).

ومن الفتاوى السديدة ما أفتى به ابن عقيل الفقيه الحنبلي ردا على سؤال وجه إليه عن كشف المرأة وجهها في الإحرام – مع كثرة الفساد اليوم – أهو أولى أم التغطية؟ فأجاب: بأن الكشف شعار إحرامها، ورفع حكم ثبت شرعا بحوادث البدع لا يجوز؛ لأنه يكون نسخا بالحوادث، ويفضي إلى رفع الشرع رأسا، وليس ببدع أن يأمرها الشرع بالكشف، ويأمر الرجل بالغض، ليكون أعظم للابتلاء، كما قرب الصيد إلى الأيدي في الإحرام ونهى عنه. اهـ. نقله ابن القيم في بدائع الفوائد.” (الإمام القرضاوي، الموقع الرسمي).

قال الإمام بن باديس: “إذا أردتم إصلاح المرأة الحقيقي فارفعوا حجاب الجهل عن عقلها قبل أن ترفعوا حجاب الستر عن وجهها، فإن حجاب الجهل هو الذي أخرها، فأما حجاب الستر فإنه ما ضرها في زمان تقدمها، فقد بلغت بنات بغداد وبنات قرطبة وبنات بجاية مكانا عليا من العلم وهن محجبات”. (مجلة الشهاب 1929، ومؤلف “باديسيات” أقوال مأثورة ومواقف مشهورة عن الإمام عبد الحميد بن باديس، ذ، الجامعي للعلوم الإسلامية د، ربيع شملال).

إزالة اللُبس عن الفهم الخاطئ لحديث “ناقصات عقل ودين”:

خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى في يوم عيد، فخطب في عموم الناس فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ ﷺ: “يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ”، فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِير مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ”، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ”، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: “فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ”، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: “فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا”، (رواه البخاري)، في هذا الحديث تبيان لنقص الرجل الحازم أمام المرأة بسبب ذهاب لبه! والحديث كان يوم عيد وهو يوم فرح وسرور وبهجة، والرسول ﷺ إنما امتدح النساء في هذا الحديث وليس العكس، قال الدكتور سلمان أن المراد بهذا النقص إنما هو تخفيف التكليف: “هذا لا يعني نقصان الدين، كثير من النساء أدين من الرجال، وإنما معناه نقصان التكليف، فهي لا تصلي ولا تصوم إذا حاضت”. (الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بتاريخ: 01/11/2016).

النقص طبيعة بشرية، والكمال عزيز ونادر، فالوصف بالنقص لا يستلزم تحقيرا للإنسان المكرم من الله، فالنقص هو ضد الكمال، والأصل في الإنسان أنه ليس كاملا، وهو موصوف بالنقص، فالإنسان جهول، عجول، كذوب، أكثر شيء جدلا…

“إذا كان الأصل في عقل الإنسان أنه ناقص، كان الناس في النقص متفاوتون، بعضهم أنقص من بعض، وأسباب نقص العقل متعددة في الاستعمال العربي، منها الخمر والحب والجوع الشديد، والأكل الكثير، والإعجاب، والدهشة، والطيش وعدم الانتباه إلى عواقب الأمور، لذا نجد عندهم عبارات مثل: “ذهاب العقل بالسُّكر”، “ذهاب العقل من الجوع”، “البطنة تذهب الفطنة”، وعرّفوا الطيش بـ”خفة العقل”، والمشدوه بـ”ذاهب العقل”، والمتيّم بـ”المضلل ذاهب العقل”، ومنه سمي حبيب ليلى بالمجنون، وهو أبعد الناس عن الجنون.
ونقصان العقل هنا بمعنى نقصان “المنع” و”النهي”، بمعنى أن الإنسان تمنعه وتنهاه ملَكة من ملكاته -التي سميناها عقلا- عن القيام بمجموعة من التصرفات، لكنه قد يضعف بسبب من الأسباب، فيقوم بما ينهى عنه العقل الحازم، فيكون حينئذ ناقص العقل.”… “وخالقُ الإنسان هو الأعلم بالإنسان وخباياه ونقائصه، وهو الذي وصفه بهذه الأوصاف، وفي الآن نفسه، وصفه بأنه مُكَرّم، {ولقد كرمنا بني آدم}، فتبين أن الوصف بالنقص لا يستلزم التحقير، لأن النقص والتكريم يجتمعان ولا يتناقضان، ولو كان النقص تحقيرا لما اجتمع مع التكريم… ومنه قول رسول الله ﷺ عن النساء أنهن ناقصات، فإنه ليس تحقيرا لهن، وليس تبخيسا لمكانتهن، وبعبارة أخرى، فإن وصفه لهن بالنقص وصفٌ كاشفٌ، وليس وصفا منشئا حسب عبارة الفقهاء ورجال القانون.. والحديث لا يذم النساء بقدر ما يمدحهن، ويشير إلى قدراتهن الفائقة التي يستعملنها لإخضاع الرجال الموصوفين بالحزم، والذين قد يكون لهم شأن في المعارك والمبارزات، والسفر وما فيه من الأهوال والصعوبات… وكما أن المرأة وُصفت بالنقص هنا، فإنها وصفت بالكمال في مجالات أخرى، ووُصف الرجل بالنقص مقارنة معها”، (الأستاذ الباحث الدكتور المغربي عبد الله الجباري، موقع دين بريس، بتاريخ: 07/03/2020).

“النص يتحدث ويوازن بين عموم النساء وبين آحاد الرجال، ولا يوازن بين كل النساء وكل الرجال.. ولو استعمل النبي صلى الله عليه وسلم كلمة “الرَجُل” لوحدها لقلنا بأنها تفيد العموم والاستغراق، أمَا وأنه وصفه بـ”الحازم”، فتبين أنه لا يقصد العموم، لأن الوصف تخصيص وتقييد.. ولو قلت لإنسان: أنت ناقص الحزم، ورغم ذلك تفوقتَ على كامل الحزم، فإننا نفهم من العبارة مدحا لذلك المتفوق، لأنه كان ناقصا في جانب الحزم، لكنه كان قويا في جوانب أخرى، كالحيلة وغيرها، جعلته يُخضع الأقوى منه ويتفوق عليه، ونظير ذلك أنه لو انتصرت أمريكا على الفيتنام لما كان هذا سببا لفخرها، أما أن تنتصر الفيتنام على أمريكا، فهذا فخر وأي فخر، والحديث لا يذم النساء بقدر ما يمدحهن، ويشير إلى قدراتهن الفائقة التي يستعملنها لإخضاع الرجال الموصوفين بالحزم، والذين قد يكون لهم شأن في المعارك والمبارزات، والسفر وما فيه من الأهوال والصعوبات.. “فذلك من نقصان عقلها”، حيث استعمل “من” التي تفيد التبعيض، يعني أن للمرأة أسبابا وتجليات متعددة لنقصان عقلها.. وكما أن المرأة وُصفت بالنقص هنا، فإنها وصفت بالكمال في مجالات أخرى، ووُصف الرجل بالنقص مقارنة معها، ولم يضجر ولم يستنكر، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأم/المرأة: “لَلَّهُ أرْحَمُ بعِبَادِهِ مِن هذِه بوَلَدِهَا” (صحيح البخاري)، فارتقت المرأة إلى مرتبة ضرب المثل في صفة من الصفات، فذلك أمارة من أمارات الكمال فيها، وهل ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بالرجل في صفة الرحمة، وهي من أعظم الصفات وأجلّها؟
..أما وصفها بأنها ناقصة دين، فليس معناه أن النساء أقل من الرجال من حيث الإيمان أو التعبد، أو الأجر والثواب.. وللنساء أعمال وأحوال يحصلن بموجبها على الأجر الجزيل، وبسببها تُكفر كثير من الذنوب، مثل الحمل وصعوباته، والوضع وشدته وآلامه، والرضاع والقيام بشؤون الأطفال صغيرها وكبيرها، وبهذه الأمور وغيرها تتفوق المرأة على الرجل في سلم الحسنات، ويحصلن على ما لم يحصل عليه الرجال.

..وبما أن نقص المرأة ارتبط بهذه الجزئيات المؤقتة، فإنها تتساوى مع الرجل بعد بلوغ سن اليأس، فتصلي كما يصلي، وتصوم كما يصوم، والمرأة إن كانت ناقصة دين، فهل يعني هذا أن الرجل كامل الدين؟
هذا لم يقله الحديث، ولا يُفهم منه إلا إن تعسفنا في التأويل، وتمحلنا في التفسير، فللرجل نقائص أيضا، منها الغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور وغيرها مما ينقص من دين المرء ولا يُعصَم منه الرجال، وبما أن لكل قاعدة استثناء، فإن بعض الرجال والنساء وصلوا إلى درجة الكمال البشري.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بنْتُ عِمْرَانَ” (متفق عليه)”. (نفس المصدر)، و”لفظة “الكمال”: تطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه، والمراد هنا: التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى، والله أعلم”. (شرح مسلم: 15/ 198،199)، وقال السيوطي: “كمل من الرِّجَال كثير” أَي من الْأُمَم السَّابِقَة ، “وَلم يكمل من النِّسَاء إلا امْرَأَتَانِ” وَلَا يلْزم مِنْهُ انه لم يكمل من أمته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحد من النِّسَاء، بل لهَذِهِ الْأمة مزية على غَيرهَا.” (شرح سنن ابن ماجه: 1/236)، وقال الصنعاني: “وليس في الاقتصار عليهما حصر للكمال فيهما”. (التنوير شرح الجامع الصغير: 8/239)، ولا شك أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي أفضل الأمم على الإطلاق، فلا تخلو من وجود من بلغ درجة الكمال من الرجال والنساء، ولا يبعد وجود هؤلاء في كل زمان ومكان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس ثمة ما يمنع من وجود الكُمّل من الرجال والنساء بعد عصر النبوة والصحابة، من أمثال التابعين وأتباعهم، وعلماء الأمة إلى يوم الناس هذا، ولذلك ذكر معظم شراح الحديث أن المراد من هذا الحديث : الأمم السابقة.

 

شهادة المرأة:

قال الإمام القرضاوي في الحلقة الرمضانية التي نشرتها “الغد” وبثتها قناة “أنا”: “إن القرآن حينما جعل شهادة امرأتين في أمور المعاملات المالية، تقوم مقام شهادة رجل واحد، لم يقصد الانتقاص من قدر المرأة أو التقليل من أهليتها، وإنما أراد الاستيثاق بحقوق الناس، وهذا جاء في آية معروفة في القرآن اسمها آية المداينة، وهي أطول آية في القرآن الكريم، ونزلت هذه الآية الطويلة في شأن واحد هو توثيق الدين، حتى لا يتناكر الناس الحقوق وتضيع الديون على أهلها {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ…} (سورة البقرة، الآية: 282).
ومن ضمن الاستيثاق الشهادة، إذن فلماذا شهادة امرأتين تقوم مقام شهادة رجل واحد؟ لأن المرأة لا تملك أمر نفسها، قد تكون عندها ولادة، وقد يكون عندها حمل متعب، وقد يكون عندها الدورة وتأتيها بآلام، وقد يكون زوجها رجلًا متعنتًا، ويمنعها من حضور أداء الشهادة، ومعنى ذلك ضياع حقوق الناس، ولكي نستوثق حقوق الناس، قال تعالى استشهدوا بالرجال، فالرجل أجدر على هذا الأمر من المرأة، فإن لم يكونوا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، ثم علل هذا، بأن النساء عادة لا يتذكرن الأمور المتعلقة بالمال، والمعاملات، وحتى لا تضيع هذه الأشياء، فبدل امرأة واحدة امرأتان، {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰۚ} وهذا كله لتستقر حقوق الناس ولا تضيع.
هل هذا التنصيف على الإطلاق، يعنى أن المرأة ليس لها أن تشهد بمفردها؟ لا، في بعض الأحيان، مثل: مسائل الرضاعة، يكفي امرأة واحدة، كذلك في أمور الحيض والولادة، وفي التجمعات النسائية قد تكفي شهادة امرأة واحدة، مثلاً في أعراس النساء، واحدة ضربت واحدة وهشمت رأسها، فمن أين نأتي برجل يشهد، أو في حمامات النساء إذا حدثت مشكلة بين واحدة وأخرى واعتدت عليها، فمن أين نأتي بالرجال؟ فهذه الأشياء معروفة.
ورواية الأحاديث، قالوا إن رواية المرأة مثل رواية الرجل، والمهم هو العدالة والضبط، والعجيب أنهم قالوا إن النساء لم يظهر فيهن امرأة كذابة مثلما في الرجال، مئات بل آلاف الكذابين.”

شهادات تنفرد فيها المرأة دون الرجل:

شهادة الولادة وإحقاق النسب للمولود والرضاعة كلها شهادات تنفرد فيها المرأة دون الرجل، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم “فقد روي عن عقبة بن الحارث، أنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بنْتَ أبِي إهَابٍ، قالَ: فَجَاءَتْ أمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقالَتْ: قدْ أرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذلكَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأعْرَضَ عَنِّي، قالَ: فَتَنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذلكَ له، قالَ: وكيفَ وقدْ زَعَمَتْ أنْ قدْ أرْضَعَتْكُما فَنَهَاهُ عَنْهَا. (صحيح البخاري)”.
يتبين لنا مما سبق أن وجوب وجود امرأتين في الشهادة مع رجل واحد، هو أمر خاص في المداينة فقط دون سائر أنواع الشهادات مما ينفي وجود تمييز في الحقوق بين الرجل والمرأة ومما ينفي المساس بكرامة المرأة بل جُلَّ ما في الأمر أن الدين الحنيف يهدف إلى توفير الضمانات في الشهادة وزيادة الاستيثاق لإيصال الحق إلى أصحابه”. (الأستاذة الجامعية د.نهى قاطرجي بكلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في لبنان وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، موقع صيد الفوائد، شبهات حول حقوق المرأة في الإسلام).

علاقة تكامل لا تخاصم بين الرجل والمرأة:

الحب في الله من أوثق عرى الإيمان، والمتحابان في الله، المجتمعان عليه والمفترقان عليه، من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.

“الزوجين المؤمنين ينبغي أن يجتهدا ليتحقق فيما بينهما الحب العاطفي وليرقى هذا الحب ويزداد ويتطور ويتقوى، حتى يصير حبا في الله، وتحابّا في الله، قال عليه الصلاة والسلام: “تَهَادُوا تَحَابُّوا”، الحب أمر قلبي، عطاء من الله عز وجلّ، لكن هذا العطاء جعل الله له أسباباً، من أسبابه التهادي، والدعاء والإلحاح فيه، من غير ملل، ومن أسبابه صفاء القلب، القلب الذي فيه الأكدار والحقد والكراهية لا يعرف الحب.. الحب طهر، والكراهية ظُلمة، لا يجتمع الطهر مع الظلمة في إناء واحد، إذا أردت أن تكون محباً محبوباً، اسعى أخي واسعي أختي لكي يكون القلب صافياً، فالقلب الصافي موطن الحب، نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا به، ومن الأسباب أيضاً الكلمة الطيبة والثناء الحسن، الذي يفعل في صاحبه ما يفعل بإذن الله، نتعلم هذا ونتدرب عليه”. (الداعية المغربي الأستاذ بارشي، العلاقة بين الزوجين أسس ومقومات، الحلقة الخامسة، قناة الشاهد 09/02/2021).

و”الإسلام ليس ضد زواج الحب، بشرط أن يتأكد هو، وتتأكد هي أن كلمة “أحبك” ليس وراءها النزوة العابرة، وإنما المحبة الخالصة التي يرجى لها أن تنمو بعد الزواج فتلتحم بلحام الرحمة والمودة والمخالقة والصبر” (الإمام ياسين، تنوير المؤمنات، ص152).

يقول الله تعالى: “{وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (سورة النساء، الآية: 32): المنطلق أن الله سبحانه وتعالى أعطى لكل نوع الخصائص التي تعينه على أداء مهمته، ففي أصل التصميم صممت المرأة لتكون أماً، ولتكون زوجة أعطيت من الخصائص الجسمية والخصائص النفسية وهي شدة عاطفتها، ومن الخصائص الاجتماعية تعلقها بزوجها، ومن الخصائص الفكرية اعتنائها بالجزئيات ما يؤهلها لتكون زوجة ناجحة، وأماً ناجحة، فهذه الخصائص التي اختص بها الله النساء كجنس بنيت على حكمة بالغة، وعلى خبرة لا نهائية، وعلى علم كبير..” (التفسيرالمطول للنابلسي).

فـ”السعادة الزوجية لا تأتي بالعنف وفرض السيطرة فإن هذا من الخطأ، ولكن يجب أن ينظر الزوج إلى زوجته على أنها قرينته وأم أولاده وراعية بيته فيحترمها كما يحب هو أن تحترمه”. (ابن عثيمين، نور على الدرب، ج: 10، ص: 13)

كشف اللبس عن كيد النساء وكيد الرجال:

“الكَيْد نوع من التدبير الذي يشتمل على حيلة واستدراج من طريق غير معلوم، وأنه يتفاوت في درجة إحكامه، ومن الواضح كذلك أن الكَيْد قد يكون في الشر، وقد يكون في الخير، وقد يكون سلبيا، وقد يكون إيجابيا، ولكن استخدامه أكثر في السياقات السلبية، وقد يكون الكَيْد ضعيفا، وقد يكون قويا، وقد يكون عظيما.

وقد ظهر أيضا أن الكَيْد منسوب في النص القرآني إلى أطراف عديدة؛ فهو مسألة عامة لا تطال المرأة فقط، بل تطال الرجال أيضا.” (الدكتور محمد عثمان الخشت أستاذ فلسفة الدين- ورئيس جامعة القاهرة، الحساب الرسمي عبر الفايسبوك).
“الكَيْد: إرَادَةُ مضرَّة الغير خُفْيَة، وهو مِن الخَلْق: الحِيلة السَّيئة، ومِن الله: التَّدبير بالحقِّ لمجازاة أعمال الخَلْق”، (الجرجاني، التعريفات: 227).
فالكَيْد ينقسم إلى نوعين محمود ومذموم، المحمود: وهو ما قُصِد به الخير، والمذموم: وهو ما قُصِد به الشَّر، “الكَيْد ينقسم إلى نوعين، قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} (سورة الأعراف، الآية: 183)، وقال تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ} (سورة يوسف، الآية: 76)، وقال تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا} (سورة الطارق، الآيات: 15-16)” (ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: 1/388).

“إن فطرة المرأة ليست مخالفة لفطرة الرجل، فكلتاهما تقبل الخير والشر، والهدى والضلال، كما قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (سورة الشمس، الآيات: 7 – 10)… بل المتأمل في الكون كله يجد أن الخير فيه هو الأصل والقاعدة، وما يتراءى لنا من شر فهو جزئي ونسبي، ومغمور في الخير الكلي العام المطلق، وهو في الواقع لازم من لوازم الخير، ولهذا كان من مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم لربه: “والشر ليس إليك” وفي القرآن الكريم {بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة آل عمران، الآية: 26)…

حذر الله من الفتنة بالأموال والأولاد في أكبر آية في كتاب الله.. هذا مع تسميته سبحانه المال “خيرًا” في عدة آيات من القرآن، ومع اعتباره الأولاد نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده.. فالتحذير من فتنة النساء كالتحذير من فتنة الأموال والأولاد، ولا يعني أن هذه النعم شر.. بل يحذر من شدة التعلق بها إلى حد الافتتان، والانشغال عن ذكر الله… ولا ينكر أحد أن أكثر الرجال يضعفون أمام سحر المرأة وجاذبيتها وفتنتها، وخصوصًا إذا قصدت إلى الإثارة والإغراء، فإن كيدها أعظم من كيد الرجال؛ ومن ثم لزم تنبيه الرجال إلى هذا الخطر، حتى لا يندفعوا وراء غرائزهم، ودوافعهم الجنسية العاتية.” (الإمام القرضاوي، الموقع الرسمي)

والكَيْد تختلف درجته وشدته، ففي قصة سيدنا يوسف “كَيْد النساء” لم يتخطى الجانب العاطفي المصحوب بالشهوة، على عكس “كَيْد الرجال” الذي ذُكِر في نفس القصة تخطى كل الحواجز من أجل السلطة والنفوذ، فوصل بهم إلى درجة الحقد والحسد ومحاولة قتل أخيهم.. {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} (سورة يوسف، الآية: 09)، فتبين أن “كَيْد الرجال” في هذه القصة كان أكبر وأعظم.

“كلما مررت بسورة يوسف تساءلت: أي الكيدين كان أشد وطأة على سيدنا يوسف، كيد الرجال أم كيد النساء؟! ألقت النسوة يوسف في السجن من فرط الحب، و ألقاه الرجال في الجب من فرط الحقد!

فالكيد إذا ليس حرفة نسائية كما يظن البعض.. الآية وإن كانت تثبت وبشكل قاطع وجود الكيد في بعض النساء فإن الآية الكريمة: {يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن للرجال حظا وافرا من الكيد أيضا! وإذا كان كيدُ النّساءِ ممهوراً بالصفة {عظيم}، فإن كيد الرّجال ممهور بالمفعول المطلق {كَيْداً}، ومن فوائد المفعول المطلق كما يقول النحاة هو نفي المجاز!” (الكاتب الفلسطيني أدهم شرقاوي، كتاب نبض)، “والتنوين فى قوله {كَيْداً} للتعظيم والتهويل، زيادة فى تحذيره من قص الرؤيا عليهم”. (تفسير الوسيط للطنطاوي).
قال النيسابوري: فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله تعالى إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال، فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم. (تفسير النيسابوري).

يحاول البعض عبثا تشويه صورة المرأة في الإسلام جهلا أو حسدا أو خدمة لغايات في أنفسهم، ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكارهون والمتآمرون والمتخاذلون، فالمرأة والرجل على حد سواء أعزهما الله بالإسلام ولو ابتغوا العزة في غيره لم ينالا إلا الذلة والهوان.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله

 

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...