ماكرون يكسر الأعراف ويعلن من الشارع الفرنسي عن زيارة “مصيرية” الى المغرب..

الرباط – “رأي اليوم” – نبيل بكاني:
خلف تصريح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بشأن زيارة “مصيرية” قال انه سيجريها الى المغرب قريبا جدا، الكثير من علامات الاستفهام، فاعلان رئيس الدولة التي تعيش علاقاتها مع الرباط أزمة عميقة أكثر مما يمكن تصوره، لم يأتي في مؤتمر صحفي أو في شكل تصريح لوسائل اعلام ولم يصدر من داخل أروقة الايليزيه ووفق القنوات الإدارية والدبلوماسية المتعارف عليها، وانما خلال حفل فني ووسط لقاء حميمي مع مواطنيه بمن فيهم من هم من أصول مغربية.
واعتبر متتبعون الطريقة التي أعلن بها ماكرون عن الزيارة بأنها “غريبة وغير دبلوماسية ولا مسبوقة”، وأن إعلانها في “الشارع العام يكشف عجلة ماكرون لطرح أجندة الزيارة للمغرب مباشرة بعد عودته من الجزائر”.
واعتبرت صحيفة “هيسبريس” المغربية أن الإعلان جاء سريعا وفي سياق تحركات في المنطقة لماكرون، و”أن الزيارات لا تأتي هكذا بل تحتاج ترتيبا أوليا وأشياء عديدة”، وأن “تسريب الإعلان قد يكون إشارة لبدء الاتصالات والترتيبات أو قد يكون تطمينا للرأي العام المغربي بشأن تحركات ماكرون الأخيرة”، مضيفة أن الأمر “قد يفهم على أساس عدم خروج الجلسات مع الجزائريين بخلاصات مهمة”.
وقالت الصحيفة أن السفارة الفرنسية بالعاصمة الرباط، كشفت لها أن “الأمر لا يعنيها بشكل مباشر والإجابات الرسمية بخصوص إعلان ماكرون زيارة المغرب تأتي من قصر الإليزيه”.

بوادر بداية تشكل محور ثلاثي فرنسي-جزائري-تونسي لكبح جماح المغرب:
قال المحلل السياسي المغربي سمير بنيس أن المغرب دخل في مرحلة حاسمة وجد حساسة في ملف الصحراء وأن الاختراقات الدبلوماسية التي حققها خلال السنوات القليلة الماضية بدأت تزعج بعض الدول التي كان المغاربة ينظرون لها في السابق على أنها دولة حليفة وصديقة للمغرب.
وقال نفس المتتبع، أن استقبال الرئيس التونسي قيس سعيد لأمين عام جبهة البوليساريو، شكل صدمة بالنسبة للشعب المغربي، مضيفا أن السياق الذي جاءت فيه الزيارة لتونس، تزامنت مع زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون للجزائر وبعد أسبوع من خطاب الملك محمد السادس وتزامنا مع ظهور “فيديو مفبرك” في إشارة الى تسجيل يزعم أن العاهل المغربي (كان في حالة سكر في الشارع العام بفرنسا) مضيفا أن التسجيل يحاول النيل من حظوة ملك البلاد ومكانته الرفيعة في قلوب المغاربة، وأنه يظهر أن المغرب “أمام تشكيل تحالف ثلاثي” جزائري-فرنسي-تونسي هدفه هو إطالة أمد النزاع حول الصحراء والحيلولة دون تمكن المغرب من طي هذا الملف.
بوادر وأسباب التحالف الثلاثي:

وتابع بنيس، أن بوادر هذا التحالف، بدأت تظهر منذ أكثر من سنة. ولعل إحدى أهمها هو امتناع تونس عن التصويت لصالح قرار مجلس الأمن حول الصحراء في شهر أكتوبر الماضي، معتبرا قرار التصويت كان انحرافاً عن العرف الذي دأبت الدول العربية على احترامه منذ حصلت هذه الأخيرة على مقعد في مجلس الأمن في نهاية ستينيات القرن الماضي.
وبموجب هذا العرف، عمل العضو العربي على التصويت لصالح القرارات التي تحظى بدعم غالبية الدول العربية. وبخصوص قضية الصحراء، فقد دأبت كل الدول العربية التي حصلت على مقعد في مجلس الأمن على التصويت لصالح قرارات مجلس الأمن المتعلقة بهذا الملف.
ولفت المتحدث الى أن حتى الجزائر نفسها صوتت لصالح قرار مجلس الأمن المعني بالملف حينما كانت عضوا في المجلس عامي 2004 و2005، منبها الى ما وصفه ما بـ”فظاعة” الخطوة السياسية التي أقدم عليها الرئيس التونسي في شهر أكتوبر الماضي.
وأضاف أن قرار التصويت من بين إحدى المؤشرات على “أن هذا النظام أصبح يدور في فلك النظام الجزائري ويعمل لخدمة أجندته”، وأن ملامح الاصطفاف التونسي الى جانب المواقف الجزائرية بدأت بإيداع مبلغ 150 مليون دولار في البنك المركزي التونسي على شكل ضمانة ومنح تونس تسهيلات في الأداء للحصول على الغاز الجزائري.
وقال ان فرنسا سارعت إلى توفير دعمها السياسي للرئيس قيس سعيد وإلى إعطائه الشرعية السياسية التي افتقدها في الداخل. تأكيد السفير الفرنسي لوزير الخارجية التونسي في شهر يناير الماضي، “التزام بلاده بدعم الجهود التي يبذلها النظام التونسي للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي”.
الفتور الذي تعيشه العلاقات بين المغرب وفرنسا منذ أكثر من أربع أعوام، ازداد استفحالاً بعدما حصل المغرب على اعتراف رسمي من الولايات المتحدة بمغربية الصحراء. فعلى الرغم من أن فرنسا عملت لما يزيد عن خمسة عشرة عاما على دعم الموقف المغربي في مجلس الأمن، إلا أن ذلك الدعم لم يكن مطلقاً.
وقال المحلل السياسي المغربي، أن فرنسا دأبت على استعمال نفس العبارة وهي أن مشروع الحكم الذاتي يعتبر أرضية يمكن البناء عليها من أجل التوصل لحل سياسي ومتوافق عليه للنزاع.
الموقف المعبر عليه من طرف الاليزيه، لم يكن، حسب المصدر مكلفاً من الناحية السياسية بالنسبة لفرنسا، ذلك أنها في الوقت الذي بدت داعمةً للمغرب، فإنها حافظت على علاقاتها ومصالحها الاستراتيجية في الجزائر.
في المقابل، يرى المتحدث، أن الدعم الذي قدمته فرنسا للمغرب كان مكلفاً بالنسبة للاقتصاد المغربي، ذلك أنه كان على هذا الأخير أن يستمر في التعامل بشكل تفضيلي مع هذه الأخيرة وفي تمكين الشركات الفرنسية من الاستحواذ على حصة الأسد من المشاريع المهيكلة الكبرى التي عمل المغرب على إطلاقها منذ عقدين من الزمن، في مقدمتها بناء القطار فائق السرعة بين طنجة والدار البيضاء.
وتابع أن كل الأوراق الفرنسية وكل مصالحها الاقتصادية في المغرب، قد تبعثرت بعدما حصلت الرباط على الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، لافتا الى أن هذا الاعتراف شكل صدمة بالنسبة للنخبة السياسية الفرنسية وأخذها على حين غرة وأنها لم تكن تتوقع حدوثه.
واعتبر أن الاعتراف، جاء في وقت سئم فيه المغرب من النفاق الفرنسي ومن عدم جدية فرنسا في العمل على طي هذا الملف. كما جاء في وقت عانت فيه العلاقات بين المغرب وفرنسا من العديد من فترات التوتر منذ عام 2014، وفي وقت بدى المغرب مصراً على وضع حد للهيمنة الفرنسية على الاقتصاد المغربي والخروج من الفلك الفرنسي، بل وعلى منافسة فرنسا في افريقيا جنوب الصحراء، خاصةً في دول غرب افريقيا حيث أصبح المغرب من بين أهم المستثمرين الأجانب.
وفي ذات السياق، يرى المصدر نفسه، أنه بعدما حصل المغرب على الدعم الأميركي وتمكن من كسب دعم العديد من البلدان الافريقية ومن تحقيق نجاحات ميدانية غيرت موازين القوى لصالحه (عملية الكركرات في شهر نوفمبر 2020 والتغييرات التي طرأت على لغة قرارات مجلس الأمن منذ عام 2018)، أصبحت فرنسا تتعرض لضغوطات من طرف المغرب للإعلان بشكل رسمي عن موقفها الداعم لمغربية الصحراء.
ونبه الى أن فرنسا، اذا كانت جادة بالفعل في دعمها للمغرب بشأن الصحراء المتنازع عليه مع البوليساريو، فإن “الظروف السياسية أصبحت مواتية للسير على خطى الولايات المتحدة وإسبانيا”. غير أن فرنسا، يضيف المتحدث “لم تقم بذلك، وهو ما أظهر للمغرب بشكل واضح النوايا الحقيقية لفرنسا وحرصها على الإبقاء على هذا النزاع للحفاظ على مكانتها الاقتصادية في المغرب”.
وأضاف ان المغرب عمل على إضعاف مكانة فرنسا الاقتصادية داخل المملكة، منذ أكثر من عقد من الزمن من خلال سياسة تنويع الشراكات التي نهجها، والتي تمثلت في تعزيز شراكاته الاستراتيجية مع كل من الصين وروسيا والهند والبرازيل واليابان وكوريا الجنوبية.
بطبيعة الحال، فلم يكن “التمرد” المغربي أن يرق فرنسا، سيما وأن هذه الأخيرة تعودت على التعامل مع هذا الأخير كما لو كان حديقتها الحصرية وحصلت لمدة عقود بعد حصول المغرب على استقلاله على امتيازات اقتصادية مكنتها من الإبقاء على هذا الأخير تحت نفوذها.
فرنسا، وفق المصدر، لم تتقبل هذا التحول النوعي الذي بدأ يطرأ على العلاقات بين البلدين وعلى إصرار المغرب على التعامل مع فرنسا نداً للند وبناءً على مبادئ الاحترام المتبادل للمصالح الاستراتيجية والمعاملة بالمثل.
الطبقة السياسية الفرنسية لا تنظر للعلاقات مع الرباط إلا من منظور المنافع التي يمكنها تحقيقها على حساب المغرب، وفي هذا السياق دعا المحلل الى التخلص من تلك الفكرة الوردية التي تشكلت لدى الكثير من المغاربة عن فرنسا بأنها تريد الخير للمغرب وأنها “حليفنا الاستراتيجي الأكثر وثوقا”، معتبرا أن فرنسا تنظر للمغرب على أنه حليفه ما دام هذا الأخير خانعاً، طائعاً ولا يجادل في سموها وفي حقها في التحكم في مصيرنا.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...